صرخة عُمّال النجف تتحدّى الاستثمار في وادي السلام | د.حسن جمعة

هيئة التحريرمنذ 21 دقيقةآخر تحديث :
صرخة عُمّال النجف تتحدّى الاستثمار في وادي السلام | د.حسن جمعة

 

في أرض النجف الأشرف حيث يلتقي خشوع السكون بوقار التاريخ، وتتردد في أرجائها أصداء الراحلين.. لم يعد الصمت سفيراً وحيداً لديار المقابر؛ إذ كسر طوقه العشرات من عمال وادي السلام والمقبرة النموذجية في وقفة احتجاجية مهيبة حَمَلَت بين طياتها كبرياء المعاناة وجمر الأرزاق المهددة..خرج أولئك الساعون في مناهض العيش، ممن أُنست أيديهم تراب الأرض وشواهد الرخام، ليعلنوا بصوتٍ واحد رفضهم لواقعٍ مرير تسللت فيه ظلال النفوذ السياسي ومصالح الاستثمار الضيقة لتقبض بقبضة من حديد على أدق تفاصيل هذا القطاع الحيوي والإنساني..لقد جاء هذا الاحتجاج الميداني ليفتح ملفاً بالغة الحساسية، كاشفاً عن تحول العقود الاستثمارية من وسيلة للتطوير إلى أداة لفرض احتكار مطلق على بيع القبور والمرمر ومستلزمات التجهيز والدفن.. إنها حكايةٌ مؤلمة عما يحدث حين تُختزل قدسية الموت وحرمة الجنائز في حسابات الأرقام والأرباح وحين تُسلب من الأيدي السمراء مهنٌ عريقة ورثتها الأجيال كابراً عن كابر، لتُجير لصالح جهات نفوذٍ استثمرت حزن الناس وضايقت السعاة في قوت عوائلهم اليومي ملقية بأعباء مادية باهظة على كاهل العائلات المكلومة في أشد لحظات انكسارها وحزنها..لم تكن تلك الوقفة الاحتجاجية مجرد اعتراضٍ عابر على ضوابط تنظيمية، بل كانت صرخةً أخلاقية مدوية للدفاع عن كرامة العيش، وتكافؤ الفرص، وحماية هوية المكان من التغول والتكسب.. إنها تضع السلطات المعنية والجهات الرقابية والإدارة المحلية في النجف الأشرف أمام مسؤولية تاريخية وإنسانية جليلة تتطلب التدخل العاجل لفك أغلال الاحتكار، وإعادة تفكيك تلك العقود المجحفة، كي تبقى هذه البقعة الطاهرة واحةً للسكينة والأجر والرحمة، لا مضماراً للمنافع الضيقة وقطع أسباب الرزق عن أبناء البلد..إن الخطورة تكمن في أن تتحول الخدمات الإنسانية المرتبطة بكرامة الموتى إلى مضارب للربح الفاحش لا يضرُّ فقط بالعمال الذائدين عن لقمة عيشهم بل يمس الجوهر الأخلاقي والأثري لمقبرة وادي السلام؛ هذه البقعة التي ظلت على مر العصور رمزاً للتكافل الاجتماعي وملجأً ينطوي على السكينة والمساواة أمام قدر الموت.. إن تجريد المقابر من طابعها الوجداني وتحويلها إلى امتيازات تجارية حصرية يُفقد المكان قدسيته ويُشعر المواطن بأن حقه في دفن عزيزٍ عليه بات خاضعاً لمنطق السوق وسلطة المال!!.

 

عاجل !!