مر أربعة أشهر على تولي محافظ كركوك التركماني مهامه. ورغم وجود الكثير من الشكوك والملاحظات في البداية حول آلية حصوله على المنصب، إلا أن الكثير من أهالي كركوك نظروا إلى الأمر كفرصة تاريخية. فبعد قرن كامل يتولى شخص تركماني منصب المحافظ. كان الأمل أن يقدم نموذجاً مختلفاً بسبب ظروف التنصيب والمرحلة , محافظاً للجميع، بعيداً عن ضيق الأفق الانتمائي، وأن يولي اهتماماً للخدمات وإدارة المدينة وتعزيز السلم الاجتماعي ، بدلاً أن يتقوقع في إطار مكونه، وأن يحصر نفسه داخل إطاره السياسي حتى داخل مكونه.
لكن للأسف، ذلك لم يتحقق حتى الآن. فخلال فترة حكمه القصيرة، وباسم “العمل والاجتماعات” كان غائباً كثيراً خارج البلاد، وخاصة في تركيا. والأهم من ذلك أنه أقدم على خطوتين متسرعتين وغير مسؤولتين أثارتا ردود فعل سياسية واجتماعية كبيرة.
أولاً: المتاجرة بهوية المدينة في الخارج
أخذ رئيس بلدية كركوك معه إلى تركيا وهناك وقّعه على انضمام كركوك إلى “عالم المدن التركية”. وكانت الحجة هي تأمين الدعم للمدينة. وبعد ذلك ومن تركيا شكر رئيس تركيا، رجب طيب أردوغان، لأنه بهمته تمكن التركمان بعد 102 عام من الوصول إلى هذا المنصب.
من حيث الصدق قد يكون كلامه صحيحاً، ولكن بالعرف السياسي والدبلوماسي يعد ذلك خطأً كبيراً. فالمحافظ هو ممثل دولة العراق في المحافظة، وليس ممثلاً لأي دولة أخرى. وقد أثار هذا التصريح استياء العراقيين عموماً، وكان سبباً في انتقادات حادة في الساحة السياسية والإعلامية العراقية. وحاول لاحقاً تدارك الأمر وقال “لقد تُرجمت كلماتي بشكل خاطئ”.
ثانياً: ضرب صميم الدستور
أما التصريح الثاني فكان حول المادة 140 من الدستور العراقي. إذ وصفها بأنها “أكبر خطأ سياسي بعد نظام البعث” وأعلن “انتهاءها”. وهذا شكل جرحاً مباشراً لمشاعر الشارع الكوردي، ليس في كركوك فقط بل في عموم كردستان.
مع أن المادة 140 مادة دستورية، والمحكمة الاتحادية أكدت مراراً على ديمومتها وضرورة تنفيذها.
ورغم أن الكورد أنفسهم يدركون أن هذه المادة فيها نواقص كثيرة، وأنها خلال 22 عاماً كانت ضحية للعراقيل السياسية، وحولت قضية كركوك من قضية سياسية إلى ملف قانوني معطل، إلا أن هذه المادة بالنسبة للكورد يعد رمزا للمشاركة في بناء العراق الجديد بعد عام 2003.
ومن الجدير بالإشارة أن الكورد بعد سقوط البعث، وخلال 14 عاماً من إدارة كركوك، لم يمسوا تلك التماثيل والرموز الخاصة بالتركمان التي صنعها علي حسن المجيد لزرع الفرقة في المدينة. وذلك لأنها كانت رموزاً قومية لدى الشعب التركماني.
أين تكمن المشكلة؟
المشكلة أن “السيد المحافظ” لا يزال يرى نفسه رئيساً للجبهة التركمانية وليس محافظاً لكركوك لكل أهلها. وقد كشف عن وجهه الحقيقي مبكراً: في التصريح الأول بسذاجة، وفي الثانية بحقد.
إن من يقف ضد المادة 140 لا يقف ضد الكورد فقط، بل يقف ضد ارادة الشعب العراق الذي صوت على هذا الدستور و منها المادة 140 وبالنتيجة يقف ضد استقرار الدولة. وهذا يترتب عليه مسؤولية سياسية وقانونية.
السياسة تحتاج إلى الصبر، وليست كل الحقيقة تقال في كل وقت. وبهذه الخطوات المتسرعة والتصريحات غير المسؤولة، يا سيدي المحافظ الحقت الضرر بثلاث أطراف: لنفسك، وللشعب التركماني، وللجهة التي تدعمك.وبذلك فانك الحقت ضررا بليغا بروح التعايش والسلم المجتمعي.
كركوك مدينة مشتركة. وإدارتها تحتاج إلى الحكمة والتسامح وتقديم الخدمات، وليس إلى الشعارات والتصريحات المؤدلجة .
سيدي المحافظ، كان ما يزال الوقت باكراً جداً على ارتكاب هذه الأخطاء.




