علي محمد جابر
ميسان
حين يُذكر المسرح في محافظة ميسان، يتقدم اسم الفنان أبو الحسن صلاح مهدي بوصفه أحد أبرز أعمدته ورواده، ممن كرّسوا حياتهم لخدمة الفن، وأسهموا في صناعة أجيال من المبدعين، حتى غدا اسمه علامة مضيئة في تاريخ المسرح العراقي.
ولد أبو الحسن صلاح مهدي عام 1956 في مدينة العمارة، ونشأ في بيئة شعبية أصيلة، كانت تزخر بالمحبة والبساطة، حيث شكّل قربه من رائد المسرح الميساني الراحل عيسى عبد الكريم نافذة مبكرة أطلّ منها على عالم الفن، فترسخت في وجدانه بذور الإبداع منذ سنوات الطفولة الأولى.
وكان يؤمن بأن لكل إنسان موهبة منحها الله له، وأن النجاح يبدأ عندما يكتشف الإنسان رسالته في الحياة. ورغم تجاربه الأولى في الرياضة والرسم، إلا أن المسرح كان خياره الحقيقي، عندما اختاره المخرج مهدي حمدان للمشاركة في عمل مسرحي خلال دراسته المتوسطة، لتبدأ منذ ذلك اليوم رحلة فنية امتدت لعقود وما زالت مستمرة بالعطاء.
وتتلمذ على أيدي نخبة من المخرجين العراقيين، من بينهم رضا جابر، قاسم مشكل، فاضل السوداني، عبد الأمير كاظم، وعبد الجبار حسن، قبل أن يلتحق بأكاديمية الفنون الجميلة، حيث تلقى علوم المسرح على يد كبار أساتذة العراق، وفي مقدمتهم بدري حسون فريد، سامي عبد الحميد، جاسم العبودي، وحميد محمد جواد.
وخلال مسيرته الأكاديمية، شارك في عروض مسرحية عالمية، أبرزها هاملت، مارا صاد، والجبل المهزوم، مقدمًا أداءً احترافيًا أكد امتلاكه أدوات الفنان الحقيقي، الذي يعيش الشخصية بكل تفاصيلها ويمنحها روحًا نابضة على خشبة المسرح.
وعقب تخرجه، عاد إلى محافظة ميسان ليبدأ مرحلة جديدة من الإبداع عبر قسم النشاط المدرسي، حيث قدّم أول أعماله الإخراجية “الكرماء” عام 1982، وهي تجربة أثارت اهتمام الأوساط الثقافية لما حملته من رؤية فكرية وفنية، لترسخ قناعته بأن المسرح رسالة توعوية قبل أن يكون وسيلة للترفيه.
ومنذ ذلك الحين، توالت أعماله المسرحية، ومن أبرزها “من سيرة المدعو حمد”، “لعبة الجد والهزل”، و*”عبدول الوالي”*، التي عكست اهتمامه بأدق التفاصيل الفنية، سواء في الأداء أو الإخراج أو تصميم الأزياء والديكور والمكياج، ليحصد العديد من الجوائز والتكريمات، أبرزها جائزة أفضل ممثل في مهرجان ينابيع الشهادة بمحافظة بابل عام 2014 عن دوره المتميز في مسرحية “اللوح الثاني عشر”.
ولم يقتصر عطاؤه على خشبة المسرح، بل امتد إلى صناعة الأجيال، إذ كان له دور كبير في اكتشاف ورعاية العديد من المواهب الشابة، التي أصبحت اليوم من أبرز الأسماء في الحركة المسرحية العراقية، مؤمنًا بأن الفنان الحقيقي هو من يترك أثرًا في الآخرين قبل أن يبحث عن الأضواء لنفسه.
كما أثبت حضوره في السينما العراقية، من خلال مشاركته في عدد من الأفلام الروائية، منها “ما بعد الحب” و*”الأغنية”*، فضلًا عن مساهمته في إنتاج أعمال توجيهية دعمت القوات المسلحة العراقية خلال المراحل الصعبة التي مر بها الوطن، مؤكدًا أن الفن شريك في ترسيخ قيم الانتماء والمسؤولية الوطنية.
ومن أبرز محطاته الإبداعية، تجربته المسرحية الرائدة “تجربة القصب”، المستوحاة من بيئة ميسان وأهوارها، حيث نجح في توظيف القصب بوصفه رمزًا فنيًا وإنسانيًا، ولا سيما في مسرحية “المعمورة” التي كتبها وأخرجها، لتُعد واحدة من أبرز التجارب المسرحية ذات الهوية المحلية والرؤية الإنسانية.
ورغم مسيرة تجاوزت أربعة عقود من العطاء، لا يزال أبو الحسن صلاح مهدي حاضرًا في المشهد الثقافي، من خلال كتابة المقالات المتخصصة، وإقامة الورش التدريبية، والمشاركة في لجان تحكيم المهرجانات، واضعًا خبرته الطويلة في خدمة المسرح العراقي والأجيال الجديدة.
لقد استطاع أبو الحسن صلاح مهدي أن يجمع بين الإبداع الفني والرسالة الإنسانية، فكان مخرجًا وممثلًا وكاتبًا ومربيًا، وأسهم في ترسيخ مكانة المسرح الميساني على خارطة الثقافة العراقية، ليبقى اسمه حاضرًا في ذاكرة الفن بوصفه أحد أبرز رواده وصنّاع منجزه الحقيقي.
إن الحديث عن أبو الحسن صلاح مهدي ليس حديثًا عن فنان فحسب، بل عن مدرسة فنية متكاملة، ورحلة إبداعية طويلة أثبتت أن المسرح رسالة، وأن الفن الصادق قادر على صناعة الوعي وبناء الإنسان. وستبقى سيرته واحدة من الصفحات المضيئة في تاريخ المسرح العراقي، وشاهدًا على أن الإبداع الحقيقي لا تحدّه السنوات، بل يخلّده أثره في ذاكرة الأوطان
والأجيال.





