محطات
قصة قصيرة
فاضل محمد الربيعي
كانت الساعات المُعلّقة على جدران المحطة الرمادية بلا عقارب، كأنها تدل على زمنٍ لم يبدأ بعد، أو ربما انتهى منذ الأزل.
جلس “هو” على مقعدٍ خشبيّ قضمته الأرضة، يلفح وجهه غبار كثيف يشبه الرماد. لم يكن يتذكر كيف وصل إلى هنا، وإلى متى أُلبس هذا المعطف الفضفاض الذي يطوق جسده. حاول مراراً أن يتذكر اسمه، فلم يجد في تجاويف ذاكرته سوى صدىً فارغ؛ لقد نادوه ذات يومٍ باسمٍ لم يستشره فيه أحد، ووُلد في تاريخٍ فُرِض عليه فرداً، ودُفع إلى هذه المحطة ليركب قطاراً لم يختر قضبانه.
كل ما حوله كان يهمس بالعدم. القطارات المارّة تجرّ خلفها عربات من ضباب، والمسافرون يتدفقون كأشباحٍ بلا ملامح. أدرك، بيقينٍ بارد كالثلج، أن هذه المحطة، بأرصفتها، وتذاكرها، والوجوه العابرة فيها، ليست سوى محض وهم.. مسرحية كبرى كُتبت فصولها بلغةٍ لا يفقهها، ومحطة الوصول التي ينتظرها الجميع ما هي إلا سراب مضلل، فالحياة التي ظنها حقيقة كانت مجرد رصيف انتظار طويل.
وسط هذا الزيف المحيط به، انجلت الغمامة عن بصيرته، واستيقظت في روحه الحقيقة الوحيدة المطلقة. التفت إلى داخله، بعيداً عن صخب القطارات الوهمية، ليرى خطوط الطول والعرض لرحلته الحقيقية. أدرك أن القيد الذي كبّله في البداية لم يكن قضاءً مبرماً على نهايته؛ فالماضي والحاضر اللذان لم يملكهما يوماً، يتلاشيان الآن أمام لحظة الاختيار الأعظم.
لم تكن الرحلة القادمة تقاس بالمسافات أو المحطات، بل بالاتجاه. أمامه بوابتان غيبيتان نُقِشَتا في عمق وعيه: بوابة تتأجج بنيران الندم والضياع والأنانية، وأخرى تفيض بنور السكينة والخلود والرضا. في تلك اللحظة، لم يعد رجلاً مسيراً مسلوب الإرادة؛ بل صار هو القبطان، وهو الدليل، وهو الحكم. كل فكرة، كل نية، وكل نبضة قلب في هذه اللحظة الحرجة كانت ترسم ملامح مصيره الأبدي: إما جحيمٌ يصنعه بيديه، أو جنةٌ يشيّدها بنقاء روحه.
سمع دويّ صفير قطار يقترب، واهتزت الأرض تحت قدميه. انفتحت الأبواب الضبابية للعربة الواقفة أمامه، وبدت المقاعد بالداخل فارغة تماماً، تنتظر أن تكتسي بهوية راكبها.
لم يلتفت الرجل إلى الوراء، ولم ينظر إلى تذكرته المفروضة عليه. أغلق عينيه عن المحطة الزائفة، وابتسم ابتسامة واثقة، ثم مدّ يده إلى صدره، وانتزع قلبه المشعّ بنورٍ أبيض كأنه نجمٌ وُلد للتو، وألقاه داخل العربة. في تلك اللحظة، تحول القطار بأكمله إلى حقلٍ من الياسمين طار في الأفق، تاركاً المحطة الرمادية تتلاشى خلفه كدخانٍ تبدد في الهواء.





