مطرقة العدالة وصمام الأمان / مصطفى طارق الدليمي

هيئة التحريرمنذ 27 دقيقةآخر تحديث :
مطرقة العدالة وصمام الأمان / مصطفى طارق الدليمي

في جغرافيا سياسية معقدة كالعراق حيث تتحرك الرمال السياسية باستمرار وتتلاطم أمواج الأزمات تظل الدولة بحاجة دائمة إلى “نقطة ارتكاز” ثابتة لا تميل مع الهوى ولا تهتز أمام العواصف
هذه النقطة لم تكن يوماً ترفاً دستورياً انما هي جدار الصد الأخير الذي يفصل بين منطق الدولة وفوضى اللادولة
المتابع الحصيف لمسيرة بناء الدولة العراقية في سنواتها الأخيرة يدرك أن أصعب الحروب ليست تلك التي تخاض بالسلاح انما هي حرب الحفاظ على المؤسسات
وفي قلب هذه المواجهة الصامتة وقف القضاء العراقي شامخاً ليس كجهة تفصل في الخصومات فحسب بل كمرجعية وطنية عليا صامتة تنطق بالحق حين يصخب الجميع وتلوذ بالنص الدستوري حين تضيق الحلول السياسية
إن هذه الصلابة المقترنة بالمرونة والهدوء لم تأتِ من فراغ فالمؤسسات الكبرى هي انعكاس حتمي لعقلية من يديره وحين يُدار مجلس القضاء الأعلى برؤية تجمع بين المبدئية القانونية والمسؤولية الوطنية الفائقة يتحول الميزان من مجرد شعار معلق على الجدران إلى ملاذ حقيقي يشعر معه المواطن البسيط قبل النخبة بأن هناك سياجاً غير مرئي يحمي السلم الأهلي ويصون المكتسبات الديمقراطية
لقد نجحت القيادة القضائية بحنكة نادرة ونَفَس طويل في تبريد صفيح الأزمات الساخنة وتفكيك أكثر الألغام السياسية تعقيداً
ولم يكن هذا النجاح وليد الصدفة انما نتاج إيمان عميق بأن القضاء يجب أن يظل مسافة واحدة من الجميع، مهاباً مستقلاً وعصياً على الاستقطاب
هذا الحضور الوازن جعل من “مطرقة القضاء” صمام أمان حقيقي يمنع الانزلاق نحو المنحدرات الخطرة في كل منعطف تاريخي تمر به البلاد
إن الإشادة الحقيقية بالمؤسسة القضائية وبمن يقف على رأس هرمها لا تُصاغ بكلمات المديح التقليدية بل تتجسد في واقع يعيشه العراقيون اليوم واقع عنوانه أن “القانون هو الفيصل” وحين يكتب التاريخ المعاصر قصة استعادة الدولة لهيبتها واستقرارها سيتوقف طويلاً وبكثير من الإجلال عند قصر القضاء وعند تلك القيادة التي اختارت أن تضع مصلحة العراق العليا فوق كل اعتبار لتثبت للقاصي والداني أن في العراق رجالاً يصونون الحق ويحرسون الوطن

عاجل !!