علي مفتاح العبادي / ميسان
في قلب مدينة العمارة وعلى امتداد شارعٍ عتيق يُعرف بين أبنائها بـشارع التوراة تقف كنيسة مار يوسف البتول للسريان الكاثوليك شاهدةً على قرنٍ ونصف من التاريخ والتنوع الديني الذي ميّز هذه المدينة الجنوبية
جذور تعود إلى عام 1850
بحسب ما يرويه الراهب بطرس تُعد الكنيسة الأقدم في العمارة إذ يعود تأسيسها إلى نحو عام 1850 في زمنٍ كانت فيه المدينة تتشكل على ضفاف نهر دجلة بهدوءٍ وتنوعٍ سكاني لافت
سنوات الاهمال.. ثم العوده للحياة
مرّت الكنيسة بفترات طويلة من الإهمال حتى تحولت إلى مبنى مهجور لسنوات لكن في عام 2020 بدأت مرحلة جديدة من تاريخها عندما أُعيد ترميمها بجهود قادها المطران مار أثناسيوس تيار مطران النيابة البطريركية في الخليج والبصرة والعمارة
لم يكن الترميم مجرد إصلاحٍ عمراني بل إعادة إحياءٍ لذاكرة دينية وثقافية كادت أن تُنسى
وخلال أعمال التأهيل تم إزالة أجزاء من البيت القديم داخل الكنيسة بعد أن أصبح آيلًا للسقوط حفاظًا على سلامة المكان والزوار
متحف صغير وذاكرة كبيرة
في مؤخرة الكنيسة أُنشئ متحفٌ بسيط يضم مقتنيات قديمة تعكس تاريخ المجتمع المسيحي في العمارة رغم أن معظم الصور المعروضة حديثة وكذلك تبرز على جدران الكنيسة كتابات باللغة السريانية لغة الطقوس المسيحية الشرقية والتي تُستخدم في الصلوات المرتبطة بالسيد المسيح
حضور محدود ورسالة مفتوحة
اليوم، تُفتح الكنيسة أبوابها للزوار منذ نحو أربع سنوات ويُقام فيها قداس يوم الأحد بحضور عدد محدود يتراوح بين خمسة إلى ستة أشخاص من المسيحيين إضافة إلى حضور لافت من أبناء الطوائف الأخرى من الشيعة والسنة والصابئة المندائيين في مشهد يعكس روح التعايش الديني في المدينة
ولا تقتصر زيارات الكنيسة على المسيحيين فقط إذ يقصدها بعض المسلمين للتبرك بالسيدة مريم العذراء في تقليد اجتماعي يعكس تقاطع الموروثات الروحية بين أبناء المجتمع الواحد
أقلية صامدة في مدينة متنوعة
تشير التقديرات إلى وجود نحو 15 عائلة مسيحية في العمارة من الكلدان والسريان الكاثوليك ما يجعل الكنيسة مركزًا دينيًا واجتماعيًا مهمًا لهذه الأقلية الصغيرة
وقد جرى ترميم الكنيسة بجهود مسيحية خالصة فيما ساهمت الحكومة المحلية بتجهيز الأثاث في خطوة تُحسب لدعم الإرث الديني في المدينة
مطالب خدمية وأمل بالاهتمام
رغم إعادة إحياء الكنيسة لا تزال هناك تحديات خدمية تواجه القائمين عليها إذ ناشد المطران الجهات المحلية لتوفير الإنارة الخارجية وتجهيزها ببعض الأجهزة الكهربائية الأساسية مثل أجهزة التبريد وبرادات المياه خصوصًا مع ارتفاع درجات الحرارة في فصل الصيف
ذاكرة مدينة
بين جدرانها القديمة تختصر كنيسة مار يوسف البتول قصة مدينة عاشت التعدد الديني والثقافي لعقود طويلة ورغم تقلص أعداد روادها إلا أنها لا تزال تقف كرمزٍ حيّ لذاكرة العمارة ومؤشرٍ على أن التنوع مهما تراجع لا يختفي تمامًا





