حين تتحول آلام الناس إلى تجارة ويصبح الدواء رهينة المصالح
في زمنٍ تراجعت فيه الرحمة أمام الجشع لدى بعض ضعاف النفوس لم يعد المريض يواجهش٢ وجع المرض وحده بل بات يواجه وجهاً آخر من المعاناة يتمثل في استغلال حاجته إلى العلاج وتحويل ألمه إلى فرصة للربح على حساب صحته وكرامته وما تبقى في جيبه من مال.
إنها الوصفة الطبية المشفرة ذلك الخنجر الذي يُغرس في قلب المريض حين يذهب إلى الطبيب باحثاً عن الشفاء فيخرج بوصفة لا يستطيع قراءتها أو صرفها بصورة طبيعية إلا من صيدلية بعينها وكأن طريق العلاج لا يمرّ إلا عبر بوابة الاحتكار!
وهنا يبرز السؤال الذي لا يمكن السكوت عنه هل أصبح من حق بعض الجهات أن تفرض على المريض أين يشتري دواءه وبأي سعر وتحرمه من حرية الاختيار؟ وهل تحولت مهنة الطب التي تقوم على الرحمة والأمانة لدى البعض إلى وسيلة لاستنزاف أموال المرضى؟
إننا لا نتحدث عن جميع الأطباء فهناك أطباء شرفاء نعتز بهم يحملون رسالة إنسانية عظيمة ويؤدون واجبهم بإخلاص ونزاهة. لكننا نتحدث عن ممارسات منسوبة إلى بعض ضعاف النفوس تستوجب التحقيق والمحاسبة متى ثبتت ولا يجوز أن تبقى معاناة المواطنين رهينة الصمت أو المجاملة.
وصفة لا يفك شفرتها إلا صيدلي واحد!
تبدأ الحكاية حين يدخل المريض عيادة الطبيب مثقلا بوجعه وهمومه فيمنحه الطبيب وصفة بخط غير واضح أو بأسماء واختصارات يصعب على كثير من الصيادلة قراءتها وعندما يتوجه المريض إلى صيدلية أخرى يُفاجأ بعدم القدرة على تحديد الدواء المطلوب ليجد نفسه مضطراً إلى العودة إلى الصيدلية التي ارسله الطبيب عليها.
وهنا تكمن خطورة الأمر إذ إن الوصفة الطبية يجب أن تكون وثيقة علاج واضحة لا لغزا يحتاج إلى من يفك طلاسمه ولا وسيلة لفرض صيدلية بعينها على المريض.
وإذا ثبت وجود اتفاقات غير مشروعة بين بعض الأطباء والصيدليات تقوم على توجيه المرضى مقابل منافع مالية أو فرض أسعار غير مبررة فإن ذلك يمثل اعتداءً على حق المريض وإساءةً إلى الثقة التي ينبغي أن تجمع الطبيب بمن ائتمنه على صحته.
المريض ليس زبونا في صفقة والدواء ليس غنيمة والطب ليس بوابة للثراء على حساب آلام الناس.
الدواء حقّ… وليس امتيازا للأغنياء
إن خطورة هذه الممارسات تتضاعف عندما يتعلق الأمر بأدوية الأمراض المزمنة كالضغط والسكري وأمراض القلب والسرطان فضلاً عن أدوية الأطفال وسائر العلاجات الضرورية.
فهذه الأدوية ليست كماليات يمكن الاستغناء عنها بل قد يتوقف عليها استقرار حالة المريض واستمرار حياته بصورة طبيعية.
وعندما يُجبر المواطن على شراء دوائه من مكان محدد من دون أن تتاح له فرصة الاختيار والمقارنة فإن العبء المالي قد يتضاعف ولا سيما إذا كانت الأسعار غير منضبطة أو كانت هناك مخالفات في التسعير.
إن المواطن العراقي الذي أنهكته تكاليف المعيشة لا يجوز أن يجد نفسه أمام معادلة قاسية إما أن يدفع ما يُطلب منه وإما أن يؤجل علاجه ويعرض صحته للخطر.
أي عدالةٍ هذه التي تجعل المريض يدفع ثمن مرضه مرتين مرة من صحته من قوت أسرته؟
إنّ حماية المريض لا تتحقق بالشعارات بل برقابة حقيقية وأسعار معلنة ووصفات واضحة ومحاسبة عادلة لكل من يثبت استغلاله لحاجة الناس.
الوصفة الإلكترونية… الحل الذي ينتظره العراقيون
من هنا أضع أمام وزارة الصحة العراقية والجهات التشريعية والرقابية مقترحاً عمليا يتمثل في اعتماد منظومة وطنية موحدة للوصفات الطبية الإلكترونية تكون متاحة للأطباء والصيدليات في جميع محافظات العراق وتضمن وضوح العلاج وسهولة التحقق من صحة الوصفة.
وقد شهد العراق بالفعل تحركات نيابية باتجاه تنظيم الوصفات الطبية وتوحيد أسعار الأدوية إذ أُعلن في أيلول 2026 عن تشكيل لجنة نيابية لمتابعة هذه الملفات كما طُرحت مسألة اعتماد الوصفة الإلكترونية والحد من الاتفاقات التي قد تضر بالمريض.
إنّ هذه الخطوات تستحق المتابعة لكن المطلوب هو الانتقال من التصريحات والتوصيات إلى التطبيق الفعلي بما يضمن أن يشعر المواطن بنتائج الإصلاح في عيادته وصيدليته لا أن تبقى حقوقه حبيسة الاجتماعات والبيانات.
وأقترح أن تتضمن المنظومة الوطنية ما يأتي:
أولا إلزام العيادات والمستشفيات باصدار وصفات طبية مطبوعة أو إلكترونية واضحة تتضمن الاسم العلمي للدواء والجرعة وطريقة الاستعمال، والمدة العلاجية مع مراعاة الحالات التي تتطلب وصفات خاصة وفقاً للقانون.
ثانياً: اعتماد نظام إلكتروني موحد يتيح للصيدليات المجازة التحقق من الوصفة وصرف العلاج مع ضمان حق المريض في اختيار الصيدلية التي يرغب في التعامل معها ما لم توجد ضرورة طبية أو قانونية تستوجب خلاف ذلك.
ثالثاً: منع توجيه المريض إلى صيدلية محددة بقصد تحقيق منفعة شخصية أو تجارية والتحقيق في أي اتفاقات غير مشروعة بين الطبيب والصيدلية واتخاذ الإجراءات القانونية بحق المخالفين بعد ثبوت المخالفة.
رابعاً: تعزيز الرقابة على أسعار الأدوية وإلزام الصيدليات بإظهار الأسعار الرسمية بوضوح وتفعيل آليات الشكاوى والتفتيش بما يضمن عدم تحميل المريض مبالغ تتجاوز الأسعار المعتمدة.
خامساً إطلاق تطبيق مجاني للمواطن يتيح له التحقق من بيانات وصفته، ومعرفة السعر الرسمي للدواء وتقديم شكوى عند وجود مخالفة مع حماية بياناته الصحية والشخصية.
سادساً: تشكيل لجان مشتركة من وزارة الصحة ونقابتي الأطباء والصيادلة والجهات الرقابية المختصة، لمتابعة التنفيذ وتقييم النتائج ومحاسبة كل من يثبت تورطه في استغلال المرضى.
إنّ هذه المنظومة ليست مجرد برنامج إلكتروني بل خطوة نحو بناء علاقة صحية أكثر شفافية بين الطبيب والصيدلي والمريض وإغلاق الأبواب أمام التلاعب بالوصفات والأسعار.
الإصلاح مسؤولية الدولة… والمريض أمانة في أعناق الجميع
إنّ نجاح هذا المشروع يتطلب تعاوناً جاداً بين وزارة الصحة ومجلس النواب ونقابتي الأطباء والصيادلة فضلاً عن دور رئاسة مجلس الوزراء في دعم الإصلاحات التي تمس حياة المواطنين بصورة مباشرة.
كما ينبغي أن تكون هناك آلية واضحة لتلقي شكاوى المرضى والتحقق منها والإعلان عن نتائج الإجراءات الرقابية حتى يشعر المواطن بأن صوته مسموع وأن القانون يحميه مهما كان الطرف المخالف.
ولا بد من الإشارة إلى الجهود التي تبذلها وزارة الصحة العراقية في متابعة الملفات الصحية والاستماع إلى المواطنين والعمل على معالجة المشكلات التي تواجههم وإنّنا إذ نثمّن هذه الجهود نأمل أن يحظى ملف الوصفات الطبية الإلكترونية وضبط أسعار الأدوية بأولوية واضحة، لما له من أثر مباشر في صحة المواطن وكرامته.
علما ان هذه التحربة مطبقة في دولة ايطاليا والتي كانت تعاني من مشكلة متابة الوصفة باليد وبتكاتف الجهود نححت التجربة بطباعة الوصفة وتعمم من خلال وزارة الصحة على كافة الصيدليات في ايطاليا لتكون ارشيف ومتابعة لحالة المريض.
كما نأمل من السيد وزير الصحة الدكتور عبدالحسين الموسوي والذي نشاهده يوميا بمتابعة المستشفيات والصدليات ان يدعم هذا المقترح وأن تعمل الوزارة على تحويله إلى مشروع وطني متكامل بالتعاون مع الجهات المعنية بعيداً عن التعقيدات الإدارية والمصالح الضيقة.
كلمة أخيرة: لا تجعلوا الشفاء بوابةً لاستنزاف الفقراء
إنّنا لا نطلب المستحيل ولا نضع جميع الأطباء والصيادلة في موضع الاتهام؛ بل نطالب بمنظومة عادلة تحمي الشرفاء وتمنع استغلال المرضى وتضع حداً لكل ممارسة غير قانونية أو غير أخلاقية.
نريد أن يدخل المريض إلى عيادة الطبيب وهو مطمئن وأن يخرج بوصفة واضحة يستطيع صرفها من أي صيدلية مجازة وفق الضوابط الطبية والقانونية وبسعر رسمي معلوم من دون أن يشعر بأنه محاصر بين المرض والاحتكار.
ونتطلع إلى دعم المثقفين والإعلاميين والنقابات وممثلي الشعب في مجلس النواب وكل من يؤمن بأن صحة الإنسان وكرامته فوق المصالح التجارية.
فالدواء حقٌّ للمريض والرحمة جوهر الطب والأمانة أساس المهنة.
وإذا كانت الوصفة المشفرة خنجراً مسموماً في قلب المريض فإن الوصفة الإلكترونية الواضحة حين تُطبّق بنزاهة ورقابة يمكن أن تكون خطوة حقيقية نحو حماية ذلك القلب من الاستغلال.
حفظ الله العراق وأهله، ومنح مرضانا الشفاء وجعل الطب رسالة إنسانية لا تجارةً بآلام الناس.
الوصفة المشفرة… خنجر مسموم في قلب المريض! | عصام حسين الحديثي




