لم يكن تكليف علي الزيدي بتشكيل الحكومة العراقية الجديدة مجرد إجراء دستوري روتيني، بل هو وضعُ الرجل أمام “تحدي المستحيلات” في بلدٍ لا تُبنى فيه التحالفات على البرامج، بل على الحصص والضمانات.. يقف الزيدي اليوم في منتصف الطريق بين ضغط الشارع المتطلع لخدمات حقيقية، وبين “الفيتو” السياسي الذي تضعه القوى التقليدية أمام أي محاولة لتغيير قواعد اللعبة.. أول الألغام التي سيصطدم بها الزيدي هو مفهوم الوزير المستقل فبينما يطمح الشارع لوزراء مهنيين بعيدين عن سطوة المكاتب الاقتصادية للأحزاب، تصر الكتل الكبيرة على أن “الاستحقاق الانتخابي” يمنحها الحق في تسمية شاغلي الحقائب السيادية. إن نجاح الزيدي مرهون بقدرته على فرض “معادلة وسطية” تقبل بها الأحزاب دون أن تفقد الحكومة صبغتها المهنية.. لا يمكن لآلة الحكومة أن تعمل بفعالية دون حصر السلاح بيد الدولة.. هذا الملف هو “عش الدبابير” الذي تجنبته حكومات سابقة.. الزيدي يواجه تساؤلاً جوهرياً: هل يمتلك الغطاء السياسي الكافي لبسط سلطة القانون على الجميع؟ أم أن حكومته ستكتفي بدور “الإطفائي” الذي يخمد الحرائق دون معالجة مسبباتها؟..بعيداً عن السياسة، يواجه الزيدي واقعاً اقتصادياً مأزوماً بسبب الاعتماد الكلي على النفط، وتضخم الجهاز الإداري، واستشراء الفساد في مفاصل الدولة، كلها تحديات تجعل من ميزانية الدولة “عبئاً” بدلاً من أن تكون “محركاً”.. الشارع لن يمنح الزيدي “فترة سماح” طويلة؛ فالكهرباء، والبطالة، وتدهور العملة هي المعايير الوحيدة التي سيُحاكم بموجبها. إن علي الزيدي اليوم لا يحتاج فقط إلى مهارات إدارية، بل إلى “نفس طويل” في التفاوض وقدرة استثنائية على المناورة فالحكومة في العراق لا تُشكل بالنيات الحسنة، بل بالقدرة على إقناع “الحيتان الكبيرة” بأن بقاء الدولة هو الضمان الوحيد لبقاء الجميع.. فهل ينجح الزيدي في تفكيك الألغام، أم سيكون مجرد رقم جديد في قائمة المحاولات المتعثرة؟ الأيام القليلة القادمة هي التي ستكتب السطر الأخير.
مقالات ذات صلة



