في بنية الدولة الحديثة، لا تُقاس قوة القرار بصرامته وحدها، بل بسلامة الطريق الذي قاد إليه. وهنا تتقدّم (هيئات الرأي ) بوصفها إحدى أهم أدوات ترشيد القرار، لا باعتبارها ملحقًا إداريًا، بل كعقلٍ جمعيٍّ يوازن، ويفكّر، ويجرؤ على قول ( لا ) حين تكون ( نعم ) مكلِفة للوطن.
الأصل في هذه الهيئات أن تُنشأ لتقديم المشورة الصادقة للمسؤول الأعلى، وأن تكون مساحة آمنة للرأي المهني المستقل، حيث تُختبر الفكرة قبل أن تتحوّل إلى قرار، ويُقاس الأثر قبل أن تُدفع الكلفة. غير أن الواقع، في بعض مفاصله، يشير إلى تحوّل مؤسف ، من منصّات تفكير ناقد إلى أطر شكلية، تكرّر ما يُقال، وتُبارك ما يُقرّر، صوابًا كان أم خطأ.
وهنا لا يكون الخلل في وجود الهيئات، بل في طريقة تمكينها. فالرأي الذي يُطلب دون ضمانات، يُقال بتحفّظ. والمشورة التي لا تحمي صاحبها، تتحوّل إلى مجاملة. إن الدولة التي تريد قرارات أقوى، تحتاج هيئات رأي أقوى؛ هيئات يُكافأ فيها الصدق، ويُحمى فيها الاختلاف، ويُنظر إلى الاعتراض المهني باعتباره قيمة مضافة لا تهديدًا للهيبة.
من موقع المسؤولية الأمنية، تبدو الحاجة أشدّ إلحاحًا إلى هذا النمط من المشورة. فالأمن لا يحتمل الخطأ، ولا يُدار بالانطباع، بل بالحساب الدقيق والتقدير العميق للمخاطر. وهيئات الرأي القوية هنا ليست عبئًا على القرار، بل صمام أمان له؛ تُنبه قبل الانزلاق، وتراجع قبل الاندفاع، وتمنح صانع القرار خيارات أوسع ورؤية أبعد.
إن المطلوب اليوم ليس انتقاصًا من هذه الهيئات، بل إعادة تعريف دورها عبر نظام خاص يضمن استقلاليتها، ويحدد آليات عملها، ويكفل حقها في إبداء الرأي المخالف دون خوف أو تردّد. نظامٌ يجعل الشجاعة المؤسسية قاعدة، لا استثناء؛ ويحوّل النقد المهني إلى ممارسة طبيعية، لا مخاطرة شخصية.
حين تُدعَّم هيئات الرأي، لا تُضعف القيادة، بل تُحصَّن. وحين يُسمح للرأي السليم أن يقف في وجه القرار الخاطئ، أياً كان مصدر القوة، فإن الدولة تكسب قرارًا أنضج، وثقة أعمق، ومستقبلًا أكثر استقرارًا.
فالهيئات التي تقول الحقيقة في وقتها، هي التي تدفع عجلة التقدم فعلًا… لا بالتصفيق، بل بالبصيرة.
===================
الرأي الذي لا يقال … اخطر من القرار الخاطئ ( هيئات الرأي انموذجا ) / بقلم الفريق الدكتور سعد معن الموسوي رئيس خلية الإعلام الأمني قيادة العمليات المشتركة





