الطابق الثالث (قصة) / رجاء الجابري                                                                 

هيئة التحرير17 يناير 2026آخر تحديث :
الطابق الثالث (قصة) / رجاء الجابري                                                                 

“الطابق الثالث مفزوع . الطابق الثالث يبكي . يحدق في الأُفق، يستجدي نفحة حنان ، حتى لو كان على صوت حافلة أو نغمة فراشة .. لتكن النغمة نغمة حنان عن ايماءة امرأة ، أو عن نفخة بوق ، أو صفقة يد خائبة .. ليكن الحنان حسرة عين خائنة”.

هكذا كان يفكر الرجل الوحيد في الطابق الثالث ، إذ تخيل نفسه هو الطابق الثالث المليء بمرايا الجدران ، التي تعري النفس والجسد!.

***

تساءل حارس العمارة : “ماذا يحدث في الطابق الثالث!.. سمعتُ ساكنَه الوحيد يصرخ مثل مخبول قائلاُ : الطابق الثالث يبكبي مجروحاً”.. قال لموظفة الاستعلامات “ركضتُ لعلي أرى شيئاً يخص حدثاً غريباً .. ظننتُ جريمةً قد حدثتْ؛ قتلاً ، سرقة ، او  كليهما .. صعدتُ تاركاً واجبي ، فاجأني الرجل بقوله “عدْ لواجبكَ ، كنتُ أصرخ لنفسي”. ” أنا اعرفه جيداً هو  هادئ ومولع بصحبة النساء ، اسمع انه نحات بارع، لكنني لا أعرف ما الجدوى من الحجر الذي يتشكل بهيئات متنوعة ، وحتى الخشب ليس به فائدة ان تم تشكله ثانية بيد مخبول!، ماذا سيتغير لو تم صبغه بألوان باردة او حارة ، أو باهتة حتى!. “من جاء بمكتبه من الطابق الأرضي الى هنا؟”. لم تسمعه موظفة الاستعلامات لكنها حزرت انه يعاتب مالك العمارة ، او    مالكتها .. ان كانت أنثى !.

موظفة الاستعلامات الجديدة سألته : “عمي  مضر ؛ هل يحدث ان يصرخ الرجل كثيرا؟. ثم أردفت لماذا يسكن الطابق الثالث لوحده؟ ابتسم الحارس ولم يجب. جرّ نفسه نحو الباب الخارجي للعمارة..

***

وقف النحات عند الحافة الخارجية للعمارة. مدَّ بصره ليطال بناية كلية الفنون الجميلة.. بصره اصطدم بلوحة معدنية كبيرة جداً تحمل أعلانا ترويجياً عن علب الببسي كولا.. لوحة الاعلان سدتْ نفسه عن متابعة الداخلين والخارجين الى ومن كلية الفنون الجميلة!!..فكر ان ليزا الترك كانت مبهرة وانها كانت تبتسم حتى في لحظة مواراة جثمان ابن عمها الاوربي!! ههه..تذكر انها دخلت من هذا الباب المحجوب عنه الآن ، وانه ركض عابرا الشارع مبهورا . بركضة أُخرى صار أمامها ليقول لها: “انا غني”..ابتسمت قائلة: “انا غنية” قال:”تشرفنا”..ضحكا ودخلا المحاضرة؛ كانت عن علاقة المسرح بالنحت يديرها الدكتور عقيل اليوسف الذي رحب بالضيفة شبه الدائمة للكلية السيدة ليزا الترك.. ويذكر يومها انهما عدّلا اسميهما ، إذ أخبرها بأن اسمه غني فرات.. ابتسمت قائلة أنا “ماري لويز” من ألمانيا مولودة في اوسلو النرويج ، سجلني زوجي عندكم باسم ليزا الترك. وحتى هذه اللحظة غني فرات لم يعرف ؛ أكانت جادة ام مازحة وقتها..

***

بعد صداقة عميقة وطويلة ؛ السيد غني فرات ؛ حين ودعته عائدة الى بيتها بنية التفرغ للرسم ورعاية الأولاد ، قالت له        ” أنت أفضل من أخ وأغلى من حبيب.. ان متُّ بأي سبب فأنا سأُودع عندكَ لوحاتي ، وعمارتي التي اهداها لي اسماعيل، لك الطابق الثالث ملكاً صرفاً شرط ان تحافظ على مالنا وودنا الخالد..

***

الحارس مضر صار بمنتصف المسافة للممر المتسع الموصل الى مكتب ومعمل النحات ، وجده يقلب عجينة الرخام ويشويها ، رآه يخلطها بغبرة مادة البناء .. ناداه بايماءة حاجب ، صار لصق منضدة العمل ، أجلسه على الكرسي الوحيد جنب المنضدة ، نهض النحات ليتصور وجوهاً تشبه وجه الحارس ..كأنه وجد في تخيله مئات الوجوه واحتار على أية هيئة من الوجوه هو الوجه الحقيقي للحارس!.. أخذ يتحرك بقلق شديد.. بعد عدة دقائق توجه الى زاوية المعمل.. عاد بقلم رصاص وورقة بيضاء.. وبسرعة من سينجز عملاً جباراً بثلاث دقائق ، أنجز رسمة أولية لوجه الحارس.. ثم أوقفة وأخذ مسطرة قياس وراح يقيس أبعاد جسد الحارس ويسجل المقاييس بظهر الورقة ، كأنما سيفصل له بدلة كاملة.. ثم شكره ووضع مبلغاً بجيبه. أوصاه بتسليم مفاتيح العمارة للحارس البديل.. منحه اجازة ليومين!..

***

نظر النحات ثانية نحو اللافتة المقيتة التي حبست نظره عن الكلية!..

***

ببدء يوم (ما) وقفتْ موظفة الاستعلامات الجديدة حائرة .. يبدو على المرأة القادمة أنها ذات سطوة ومعرفة دقيقة بالمكان فقد بش بوجهها الحارس والمنظف والبواب.. المرأة القادمة حيّت عدداً من الواقفين عند نوافذ العمارة.. ماذا تفعل ؛ هل تسألها عن هويتها وتأخذ هوية المرأة وديعةً ريثما ترحل تنفيذا لتعليمات الأمان في العمارة؟ . مع نفسها قالت “لتمر .. لا فائدة من سؤالها عن هويتها.. ستسمعني كلمات قاسية ان سألتها عن هويتها.. دخلت المرأة الضاحكة بكبريائها حد التكبر ، لم تنظر الى جهة الموظفة ، لكن الموظفة بشت بوجهها فاسحة المجال أمامها لتمر ظانة انها ستوبخها ان منعتها من الدخول.. المرأة الضاحكة مشت خطوات ثم تراجعت كمن نسيتْ شيئاً ، أعطتْ هويتها وهاتفها الى موظفة الاستعلامات واعتذرت ضاحكة ، ثم عادت تُسرع في صعود السلالم الى الطابق الثالث دون ان تستخدم المصعد الكهربائي صائتة بكلمات تريد ان تُسَمِّعَها لمن يحدّق بأرجلها : ” رياضة .. الصعود رياضة عقل وجسد”.. همست الموظفة لنفسها. “الله وحده يعلم بما سيحدث في الطابق الثالث!”.

***

دخلت باشّة ضاحكة قائلة :

ـ أوه أوه .. أهلاً غني فرات العزيز ، عدتُ من أوربا حديثاً!، ساقتني فطرتي للمجيء إليكَ!.

أجابها محتضناً :

ـ مرحباً بالعزيزة ليزا!

ـ هل أعجبتكَ حياتكَ في الطابق الثالث؟

ـ هل ستعودين الى إيطاليا قريباَ؟

ـ أُفضل البقاء ببغداد ، قد أُشتّي بالأردن او البصرة ، يبدو انني لن أرك ثانية!…هههههه.

ـ هههه.

***

في يوم حزين وغريب من العام 1992 قرأ النحات (غني فرات) نعي على لسان اسماعيل فتاح الترك للفنانة الجليلة ليزا الترك.. وأشار الى مأساتها ومعاناتها من السرطان المعوي الذي رافقها منذ عدة أعوام..

***

في يوم حزين وغريب أيضاً ؛ هو 21 / تموز/ 2004 قرأ : تعلن نقابة الفنانين التشكيللين العراقيين عن فقدان التشكيلي اسماعيل فتاح الترك ، الذي توفي بمشفى بالامارات متأثرا بعدم نجاح عملية استئصال السرطان المعوي.

***

وقف النحات غني فرات عند منتصف زمن لليلة (ما) أحس النحات غني فرات بــ “لا جدوى تغيب بصيرته”.. وضع شمعة في صحن وأشعلها.. قرّب إليها تمثالين ، احدهما               لـ (ليزا الترك) وثانيهما لـ (اسماعيل الترك) . وضع كرسيه قبالتهما ثم وضع تمثال الحارس بجنبه ووثيقة زواجه من موظفة الاستعلامات الخجولة سابقاً فوق منضدة العمل.. ثم أحضر كتاباً ضخماً باللغتين العربية والانكليزية ، عن تاريخ الفن التشكيلي في العراق من عام 1940 الى عام 2003 ؛ تضمن سيرة كل فنان ولوحاته شمله الكتاب مع أهم أحداث حياته ؛ ضمن الظروف الاقتصادية والسياسية والاجتماعية للبلاد ، التي أحاطت بحياته وفنه.. أخذ يقلب الصفحات حتى وصل الصفحة 3000.. وما ان وقعتْ عيناه على   لوحتيْ ؛ “عدوان ، وملحمة كلكامش”(*) حتى شهق شهقة رجّت الطابق الثالث ؛ كادت ترفع سقفه نحو فضاء عري أزلي .. أرتعبت زوجته!.. صرخت بصوت ذبيح :”ماذا يحدث في الطابق الثالث؟”.. رأت زوجها قد أُغمي عليه ، وفي عقله الباطني ـ ربما ـ غصة هي أنه لم يحفظ مسؤولية مال ولوحات وتماثيل آل الترك!!.

***

ماتزال موظفة الاستعلامات الخجولة ترعى نحاتها الذي أُغمي عليه بعد نوبة يأس ولا جدوى منذ مدة سنتين حتى كتابة قصته “ماذا بعد الطابق الثالث”.

***

“الطابق الثالث مفزوع. الطابق الثالث يبكي ؛ يحدق في الافق، يستجدي نفحة حنان حتى لو على هيئة صوت حافلة، أو نغمة فراشة ، لتكن النغمة نغمة حنان عن ايماءة امرأة ، أو عن نفخة بوق ، أو صفقة يد خائبة.. ليكن الحنان حسرة عين خائنة”.

(*) “عدوان” : لوحة من أعمال الرسامة العراقية ـ الالمانية ليزا الترك. “ملحمة كلكامش” : لوحة من أعمال الرسام العراقي زوج ليزا ؛ التشكيلي فتاح الترك.

 

 

عاجل !!