الموهبة والمعرفة  .. في جدلية التكوين الأكاديمي بين الخَلْق والتقييد عباسية مدوني / إعلامية وناقدة من الجزائر

هيئة التحرير17 ديسمبر 2025آخر تحديث :
الموهبة والمعرفة  .. في جدلية التكوين الأكاديمي بين الخَلْق والتقييد عباسية مدوني / إعلامية وناقدة من الجزائر

يُعدّ سؤال العلاقة بين الموهبة الإبداعية والدراسة الأكاديمية من أكثر الأسئلة إشكالًا في تاريخ الفنون والفكر. فهو لا يتصل فقط بكيفية تكوين المبدع، بل بطبيعة المعرفة ذاتها: هل المعرفة شرط للإبداع أم عبء عليه؟ وهل الأكاديمية فضاء لتحرير الموهبة أم منظومة قد تُفضي إلى تحييدها وتحويلها إلى ممارسة نمطية؟

الموهبة، في جوهرها، قدرة فطرية على الرؤية المختلفة، وحسّ داخلي يلتقط ما لا يُرى، ويعيد تشكيله في صورة جمالية أو فكرية جديدة. إنها طاقة خلاقة، لا تُكتسب بالتلقين ولا تُستدعى بالإكراه. غير أن هذه الطاقة، حين تُترك دون وعي معرفي، قد تنحصر في حدود الحدس، وتبقى رهينة التكرار والانفعال اللحظي. فالموهبة الخام، مهما بلغت شدتها، تظل في حاجة إلى ما يمنحها العمق والاتساع.

هنا يتقدّم التكوين الأكاديمي بوصفه مجالًا للإضاءة لا للوصاية. فالمعرفة الأكاديمية، حين تكون خَلّاقة، لا تُقدّم إجابات جاهزة، بل تفتح مسارات للسؤال، وتمنح الموهبة أدوات الفهم والتحليل والمقارنة. إنها لا تُعلّم «كيف نُبدع»، بل تُساعد على فهم «لماذا نُبدع، وكيف نُطوّر ما نُنتجه». بهذا المعنى، تصبح الأكاديمية حليفًا للإبداع، تضعه في سياقه الثقافي والإنساني، وتمنحه القدرة على تجاوز العفوية نحو الوعي.

غير أن الإشكال يتجلّى حين تنفصل المعرفة عن فعل الخلق. فالمعرفة العقيمة هي تلك التي تتحول إلى تراكم معلوماتي، أو إلى حفظ نماذج وقوالب، أو إلى سلطة معيارية تقيس الإبداع بمدى مطابقته لما هو مُعترف به سلفًا. في هذه الحالة، لا تعود الأكاديمية فضاءً للتنوير، بل آلية لإعادة الإنتاج، تُروّض الاختلاف، وتكافئ الامتثال، وتُقصي التجارب الخارجة عن السائد. وهنا لا تُخدم الموهبة، بل تُحدّ، وقد تُستبدل بثقة زائفة في «المعرفة» الخالية من الروح.

إن الفارق الجوهري، إذن، ليس بين الموهبة والأكاديمية، بل بين نمطين من المعرفة: معرفة تُغذّي الخيال وتوسّع أفقه، ومعرفة تُجمّده داخل حدود مسبقة. فالإبداع لا يعادي المعرفة، لكنه يرفض المعرفة التي تُغلق المعنى بدل أن تفتحه، والتي تُقدّم نفسها بوصفها نهاية الطريق لا بدايته.

 

لقد بيّنت التجارب الإبداعية في مختلف الفنون أن الموهبة التي تتفاعل مع معرفة نقدية ومرنة تكون أقدر على التجدد والاستمرار. فالمبدع الواعي لا يكتفي بالإلهام، بل يُخضعه للفحص والتطوير، ولا يخضع للمعرفة، بل يُعيد توظيفها في مشروعه الخاص. بهذا المعنى، تصبح الدراسة الأكاديمية قيمة مضافة حين تُدرّب الذهن على التفكير لا على التكرار، وعلى السؤال لا على الامتثال.

 

وعليه، فإن التوازن المنشود لا يتحقق بجعل الأكاديمية سلطة فوق الموهبة، ولا بإقصائها بدعوى الحرية المطلقة، بل بإقامة علاقة جدلية يكون فيها الإبداع فعلًا حيًّا، والمعرفة أفقًا مفتوحًا. فحين تتحول المعرفة إلى ممارسة خلّاقة، تصبح الموهبة أكثر وعيًا بذاتها، وأكثر قدرة على تجاوز حدودها الأولى. أما حين تنحدر المعرفة إلى عقمٍ منهجي، فإنها لا تفشل فقط في خدمة الإبداع، بل تُسهم في إطفائه.

 

في النهاية، ليست قيمة التكوين الأكاديمي في كونه مسارًا إلزاميًا، بل في كونه إمكانية. إمكانية لتهذيب الموهبة دون تدجينها، وتعميقها دون خنقها، وتحويلها من طاقة فردية إلى أثر إنساني قابل للحياة.

عاجل !!