هل كان أدولف هتلر اشتراكيًا؟ | بقلم: الدكتور مهند طالب الحمدي

هيئة التحريرمنذ 26 دقيقةآخر تحديث :
هل كان أدولف هتلر اشتراكيًا؟ | بقلم: الدكتور مهند طالب الحمدي

أستاذ الاقتصاد والعلوم السياسية، جامعة ولاية كنساس، الولايات المتحدة الأمريكية

تشير الدلائل أن هتلر كان مناهضًا للرأسمالية واشتراكيًا بالمعنى الحديث للكلمة.

بدا الادعاء بأن أدولف هتلر كان اشتراكيًا موضوعًا متكررًا في منشورات إيلون ماسك على منصة إكس خلال الأشهر الأخيرة. وقد لاقى هذا الادعاء تأييدًا واسعًا وانتقاداتٍ لاذعة على المنصة في الوقت نفسه، إلا أن قلةً من المشاركين في النقاش قد درسوا المسألة بجدية. ويشير منتقدو هذا الادعاء إلى أن وسائل الإنتاج لم تُؤمّم في ألمانيا النازية. كما يُحاججون بأن سجن هتلر للشيوعيين والاشتراكيين الديمقراطيين في معسكرات الاعتقال يُفنّد هذا الرأي.

وتبدو هذه الحُجة الثانية غير مقنعة. فقد أمر جوزيف ستالين أيضًا بقتل عشرات الآلاف من رفاقه الشيوعيين، ووصف الكثير منهم بـ”التروتسكيين” أو “العملاء الفاشيين” لكنه يبقى رمزًا اشتراكيًا دون جدال. ولكن ماذا عن الادعاء بأن وسائل الإنتاج لم تُؤمّم على نطاقٍ واسع في ألمانيا النازية؟

بالنسبة للاشتراكية التقليدية، القائمة على تعاليم كارل ماركس، يُعد تأميم وسائل الإنتاج هدفًا مركزيًا. لكن الاشتراكية النازية كانت شكلًا من أشكال الاشتراكية الحديثة التي اتخذت نهجًا مختلفًا.

في أيار (مايو) 1937، أعلن هتلر أنه حدد للقطاع الصناعي الألماني ما يجب عليه إنتاجه بموجب الخطة الرباعية. وإذا عجز القطاع الصناعي عن ذلك، فسيتولى هو الأمر بنفسه، لكن لا بد من إنجازه. أما إذا امتثل القطاع الصناعي لإرادته، فسيسعده عدم اضطراره لتولي الأمر بنفسه.

تبين للصناعيين الألمان أن تصريحات هتلر لم تكن مجرد تهديدات جوفاء، في تاريخ 23 تموز (يوليو) 1937، عندما أعلن هيرمان غورينغ، أحد أبزر قادة الحزب النازي، عن تأسيس شركة هيرمان غورينغ لتعدين الخامات وصهر الحديد. أدى التطور الذي بدأ بتهديدات هتلر وغورينغ المُتكررة في نهاية المطاف إلى إنشاء مصانع هيرمان غورينغ، التي بلغ عدد موظفيها 600 ألف شخص بحلول عام 1940. وأصبح مصنع سالزغيتر للحديد والصلب أكبر مصنعٍ في أوروبا.

أدرك بعض المُنظّرين، من اليسار والليبراليين على حدٍ سواء، منذ أربعينيات القرن العشرين، أن الاشتراكية القومية تمثل شكلًا جديدًا من أشكال مناهضة الرأسمالية. وكان الاقتصادي وعالم الاجتماع فريدريك بولوك قد حصل على درجة الدكتوراه عن أطروحته حول نظرية كارل ماركس في النقود، وكان أحد مؤسسي معهد البحوث الاجتماعية في فرانكفورت. وكان لودفيج فون ميزس، إلى جانب فريدريك أوغست فون هايك، من أبرز ممثلي المدرسة النمساوية للاقتصاد. وقد عارض كلاهما الاشتراكية القومية بشدة، واضطرا للهجرة إلى الولايات المتحدة في مواجهة المد النازي.

في مقالٍ نُشر عام 1941 حول النظام الاقتصادي للاشتراكية القومية، أقرّ فريدريك بولوك باستمرار المؤسسة القانونية للملكية الخاصة، لكنه حاجج بأن وظيفتها الفعلية قد تغيّرت جذريًا. وبعبارةٍ أخرى، فإن هذا يُعدّ بمثابة “تدميرٍ لجميع السمات الأساسية للملكية الخاصة، باستثناء أمر واحد، ألا وهو سند المُلكية”. وأشار إلى أن حتى أكبر الشركات قد فقدت حقّها في تحديد وجهة استثماراتها أو توقيت إيقاف الإنتاج غير المُربح؛ إذ نُقلت هذه الحقوق فعليًا إلى الفئات الحاكمة.

يُعدّ هذا أحد أوضح التحليلات للبُنية الاقتصادية للاشتراكية القومية، ويتوافق مع ما كتبه لودفيج فون ميزس في صحيفة نيويورك تايمز بتاريخ 21 حزيران (يونيو) 1941. حاجج لودفيج ميزس بأن النظام الاشتراكي الألماني، أو ما يُعرف بـ”الاقتصاد القسري”، احتفظ ببعض المؤسسات الرأسمالية اسميًا فقط. فقد استمرت الملكية الخاصة رسميًا، لكن رواد الأعمال قد حُوصروا فعليًا وتم تحويلهم إلى مجرد مديري متاجر، بينما تُحدّد الحكومة ما يُنتجونه وكيف يُنتجونه، فضلًا عن تحديد الأسعار والشركاء التجاريين. لخّص هتلر النظام بأنه “اشتراكية ذات مظهرٍ رأسمالي”، أي تخطيطٌ شامل وسيطرة حكومية على النشاط الاقتصادي، مع الاحتفاظ بمسميات اقتصاد السوق.

 

ابتداءً من عام 1940 على أبعد تقدير، أصبح هتلر مؤيدًا متزايدًا للاقتصاد المُخطط من قبل الدولة، ويعود ذلك جزئيًا إلى اقتناعه بتفوق الاتحاد السوفيتي ونظامه الاقتصادي حينذاك. في خطاباته أمام دائرته المقربة (المعروفة باسم “محادثات المائدة”) في 27 و28 تموز (يوليو) 1941، قال هتلر: “لا يمكن تحقيق الاستخدام الأمثل لسلطات الأمة إلا من خلال اقتصادٍ مُخطط من الأعلى”. وبعد نحو أسبوعين، أشار إلى أن التخطيط الاقتصادي لا يزال في مراحله الأولى، وتصوّر بناء نظامٍ اقتصادي ألماني وأوروبي شامل.

 

إنّ القول بأن التخطيط الاقتصادي لا يزال في مراحله الأولى مهم لأنه يُظهر أن هتلر لم يكن يفكر إطلاقًا في تقليص تدخل الدولة، ولا حتى بعد الحرب، بل على العكس، كان ينوي توسيع نطاق سيطرة الدولة على الاقتصاد. وهذا هو الوجه الآخر للنظام الاقتصادي الاشتراكي.

 

عاجل !!