وزير في المنام … قصة قصيرة \ بقلم: عزيز جبر الساعدي … اصبحت وزيراً للثقافة

هيئة التحريرمنذ 42 دقيقةآخر تحديث :
وزير في المنام … قصة قصيرة \ بقلم: عزيز جبر الساعدي … اصبحت وزيراً للثقافة

لكن الأمور لم تجرِ كما اعتدنا أن نراها في العراق حين يُرشَّح أحدهم لتسنّم حقيبة وزارية. كنتُ في بلد أوروبي، حيث تبدأ الحكاية بإجراءات رسمية هادئة، وترشيح يخضع لمعايير الكفاءة، ومشاورات سياسية معلنة، ثم تصويت أو تكليف دستوري، يعقبه أداء القسم أمام رئيس الدولة، لتبدأ بعدها مسؤولية المنصب، لا احتفالات الوصول إليه.
منذ اللحظة الأولى، شعرتُ بأن ثمة شيئاً غير مألوف يحدث.
لم يأتِ أحد من أبناء العشيرة، ولم تُنصب مكبرات الصوت أمام منزلي، ولم يحضر جوق موسيقي ليرقص على أنغام الفرح، ولم أسمع هتافات تمجّد الوزير الجديد، وكأن الثقافة كانت تنتظرني منذ آلاف السنين لكي تنهض من سباتها على يدي!
حتى السيارة التي أقلّتني إلى مقر الوزارة كانت عادية، لا تتقدمها سيارات الحماية، ولا تتبعها مواكب تثير الغبار وتربك حركة المرور. السائق هادئ، والطريق مفتوح، والمارة يعبرون الشارع دون أن يلتفتوا إليّ.
أما فتيات الإعلام، اللواتي تخيلت أنهن سيحطن بي بالورود والابتسامات، فقد غبن عن المشهد تماماً. لم أرَ متزلفاً يسبقني إلى الباب، ولا منافقاً يتفنن في وصف حكمتي قبل أن يسمع مني كلمة واحدة، ولا من يرفع صورتي في مكتبه استعداداً لموسم جديد من الولاء.
قلت في نفسي: ما هذه الوزارة التي لا تحتفل بوزيرها؟ وأين ذهب الذين اعتادوا أن يجعلوا من وصول المسؤول إلى منصبه عيداً وطنياً، حتى لو لم يعرفوا عنه سوى اسمه؟
وصلت إلى مقر رئاسة الوزراء، فاستقبلني الموظف بابتسامة مقتضبة، وأدخلني إلى مكتب رئيس الوزراء.
جلست أمامه، وكنت أتوقع أن يفتح ملفاً سرياً، ثم يملي عليّ قائمة من الشروط التي ينبغي أن ألتزم بها، وأن يخبرني بأن الحزب الذي رشحني يطالبني بكذا وكذا، وأن عليّ التوقيع على تعهدات تضمن الولاء قبل العمل، والطاعة قبل الإنجاز.
لكنه فاجأني حين قال:
— الوزير الجديد، هناك مجموعة من المطالب ينبغي أن توافق عليها قبل مباشرة مهامك.
اعتدلت في جلستي، وتهيأت لسماع ما سيقلب حياتي رأساً على عقب.
تابع بجدية مصطنعة:
— عليك أن تلتزم بخدمة الحزب الذي رشحك، وأن تمنح أنصاره الأولوية في التعيينات، وأن تضمن حضورهم في المهرجانات، وأن…
قاطعته بانفعال:
— عفواً، سيدي رئيس الوزراء! أهذه هي الدولة التي جئت لأخدمها؟
انفجر ضاحكاً، ثم قال:
— اهدأ، كنت أمزح معك! أخبرني الآن، ما الذي تريد أن تفعله لوزارة الثقافة، بل للدولة والمجتمع؟
صمتُّ قليلاً. كان السؤال غريباً، وربما لم أعتد سماعه بهذه المباشرة. لم يسألني عن عدد الحمايات التي أحتاجها، ولا عن حجم مكتبي، ولا عن السيارات التي سترافقني، بل سألني عمّا سأفعله للبلد.
قلت له إنني أريد إعادة الاعتبار للمسرح، ودعم السينما، وإنقاذ المكتبات، ورعاية المبدعين، وتوفير فرص حقيقية للشباب، وأن تتحول الوزارة إلى بيت للثقافة لا إلى ممر للمجاملات والمصالح الشخصية.
هزّ رأسه موافقاً، ثم سألني:
— وماذا عن امتيازاتك بصفتك وزيراً؟
تنفست الصعداء. أخيراً وصلنا إلى الموضوع الذي كنت أنتظره!
قلت:
— نعم، سيدي، هذه مسألة مهمة. ما الامتيازات التي يمنحها المنصب؟
أجابني بهدوء:
— أنت مواطن مثل بقية المواطنين، لكنك تتولى مسؤولية عامة. تتقاضى راتباً مناسباً، وربما مكافآت محدودة وفق القانون، وتُخصَّص لك شقة صغيرة، مساحتها ثمانون متراً مربعاً، قريبة من مقر عملك لتوفير الوقت والجهد. أما الحمايات والخدم والمواكب، فلا حاجة إليها ما دمت لا تواجه تهديداً يستدعي ذلك.
حدقت فيه، ثم أطلقت ضحكة لم أستطع السيطرة عليها.
قلت:
— ثمانون متراً؟! وهل تكفي هذه المساحة لاستقبال الضيوف؟ وأين أضع أثاثي؟ وماذا عن استراحة الوزير؟ وأين الخدم والحشم؟ ثم هل سأذهب إلى عملي من دون موكب يعلن للناس أنني وزير؟
ابتسم رئيس الوزراء وقال:
— ولماذا تحتاج إلى كل ذلك؟
نهضت من مكاني، وقد بدأ الغضب يتسلل إلى صوتي.
— لماذا؟ لأنني وزير! هل تريدني أن أكون مثل أي مواطن؟ أأجلس في مقهى عام، وأنتظر دوري في الدوائر الرسمية، وأقف في طابور مثل الآخرين؟ ثم كيف سيعرف الناس أنني صاحب القرار إذا لم يروا الحمايات والسيارات والمرافقين؟
قال بهدوء:
— سيعرفون ذلك من عملك، ومن القرارات التي تتخذها، ومن أثرها في حياتهم.
هنا شعرت بأنني أمام كارثة حقيقية.
أي وزير هذا الذي لا يملك موكباً؟ وأي دولة هذه التي لا تمنح المسؤول امتيازات تميّزه عن الناس؟ وكيف يمكن للثقافة أن تنهض إذا كان الوزير يعيش في شقة لا تتجاوز ثمانين متراً، ويذهب إلى مكتبه من دون أن تسبقه صفارات الإنذار؟
صرخت:
— لا، لا، وألف لا! لا أستطيع قبول هذه الشروط! أنا وزير، ولست خادماً للشعب!
ساد الصمت للحظة، ثم انفجر رئيس الوزراء ضاحكاً، حتى خُيّل إليّ أن جدران مكتبه تهتز من الضحك.
أما أنا، فكنت أزداد غضباً، وألوّح بيدي، وأطالب بإعادة النظر في الامتيازات، وأهدد بتقديم استقالتي قبل أن أبدأ عملي.
وفجأة…
وجدت نفسي أفتح عينيّ، وأجلس على حافة السرير، وقلبي يخفق بشدة، والعرق يغطي جبيني.
نظرت حولي. لا رئيس وزراء، ولا وزارة، ولا شقة أوروبية، ولا حتى سيارة تنتظرني عند الباب.
كنت في غرفتي، في العراق، وقد اكتشفت أن كل ما جرى لم يكن سوى حلم.
مسحت وجهي، وتنهدت طويلاً، ثم أطلقت ضحكة امتزج فيها الارتياح بالسخرية.
قلت لنفسي:
الحمد لله… كنتُ وزيراً للثقافة في أوروبا، لا في العراق!
ثم عدت إلى وسادتي، لكنني لم أستطع النوم.
فقد أدركت أن الكابوس الحقيقي لم يكن أن أكون وزيراً بلا امتيازات، بل أن يصبح خادم الشعب في مخيلتنا شخصاً لا يليق به المنصب إلا إذا امتلك الحمايات والخدم والحشم، وأن تتحول المسؤولية العامة من تكليف إلى غنيمة، ومن خدمة إلى وجاهة.
أغمضت عينيّ من جديد، وهمست:
يا ليتني أستطيع أن أحلم مرة أخرى…
لكن هذه المرة، بوزير عراقي يفرح حين يقال له: أنت خادم الشعب!
عزيز جبر الساعدي،بلا عنوان 16

عاجل !!