نظم منتدى السينما والمسرح في إتحاد الأدباء والكتاب فرع البصرة الندوة الثقافية الموسومة : (الفن والأدب في عصر الذكاء الاصطناعي : صراع بين إبداع الإنسان وعبقرية الخوارزميات) وحاضر فيها الأستاذ المساعد الدكتور حيدر علي الاسدي وادار الجلسة الاستاذ الدكتور ناصر هاشم بدن وذلك مساء يوم الأربعاء الموافق 16 أيلول 2026 في مقر إتحاد الأدباء والكتاب فرع البصرة، وقدم بدن في بداية الجلسة سيرة موجزة عن المحاضر وعمله الأكاديمي والأدبي وأبرز مؤلفاته وبحوثه ودراساته والجوائز العربية التي نالها، ثم تحدث المحاضر الدكتور حيدر علي الاسدي عن التطور المتسارع الذي تشهده تقنيات الذكاء الاصطناعي والثورة الصناعية الرابعة والتي بات حضورها في العوالم الإبداعية من المهيمنات في الآونة الاخيرة فالعلم والفن يلعبان دوراً تكامليا في التنمية البشرية وكلاهما متغير باستمرار وكلاهما ينطوي على التفكير الإبداعي فالذكاء الاصطناعي هو عملية محاكاة للذكاء البشري ويعد الذكاء الاصطناعي أهم أكتشافات الثورة الصناعية الرابعة وأهم التطورات التي تمثلت بحضور تطبيقاته في كل المعارف والعلوم والفنون والآداب.
وبين المحاضر بان العديد من الفلاسفة والمفكرين نظروا من اجل ان يوحوا الى المتلقي بان ما تقدمه الالة لا يختلف كثيراً عن الإنتاج النصي البشري ومنهم من أعلام عصر التنوير الفيلسوف الفرنسي دي لاميتري الذي الف كتابا بعنوان الانسان الالة عد فيه ان الافعال الانسانية هي افعال آلية، فمهدت هذه الفلسفات لظهور فكرة كيف يمكن ان نجعل الالة تفكر التي انبثق منها علم الذكاء الاصطناعي، ثم بدأ يتطور شيئا فشيئا الى ان اصبح العلم المتحكم في دواليب الحياة البشرية اليوم، وويعد الفيلسوف الالماني ارنست كاب اول من تناول فلسفة التكنولوجيا في كتابه (اسس فلسفة التقنية) عام 1877 وتحدث عن انتزاع الالة الالكترونية للإنسان من مكانته الاجتماعية واستدعاء ذلك لشعوره بالاغتراب وكذلك فلسفة ما بعد الإنسان او ما بعد الإنسانية القائمة على انهاء المركزية البشرية ومنح الكائنات الأخرى الدور الفاعل في الوجود ومحاولة الدمج التقني بين الانسان والرقميات.
وفيما يخص الذكاء الاصطناعي والكتابة اوضح الاسدي بان جات جي بي تي وصولا الى جات جي بي تي 3 المتطور وكذلك وصلت الى النسخة 5 تمثل حالة متطورة لتوليد النصوص ومحاكاتها وفي تطبيقات الذكاء الاصطناعي ما يعرف بالكتابة التوليدية Generative Writing اذ تقوم الخوارزميات بإنتاج نصوص ابداعية بناء على تدريبها على ملايين الأعمال الأدبية السابقة، وله القدرة كذلك على تحليل البنية اللغوية ، تحديد المعاني الضمنية واستنتاج العواطف والمقاصد من النصوص، كما تتيح إمكانيات توليد نصوص جديدة من أنماط وأساليب مختلفة سواء في الشعر او القصة او المقالة كما اصبح الذكاء الاصطناعي للنصوص يعتمد على تقنيات معالجة اللغة الطبيعية NLP وهي تقنية تجعل الحاسوب يفهم اللغة البشرية المكتوبة او المنطوقة ومن خلالها يمكن تحديد الموضوعات الرئيسية في النص، والكشف عن المشاعر والانفعالات في الحوارات مثل الحزن ، الغضب، الحماسة فحضور الذكاء الاصطناعي في الموسيقى عبر (إنتاج موسيقى وأغاني بالذكاء الاصطناعي والتطبيقات البرامجية) وفي السينما من خلال برامج الذكاء الاصطناعي لصناعة المشاهد والخيال وغيرها ففي عام 2023 شهد اضراب نقابة الكتاب والممثلين الامريكيتين لهيمنة الذكاء الاصطناعي على مهنتهم وطلبوا منع وجوه واصوات الممثلين واستنساخها رقميا دون موافقتهم وحماية الكتاب من تقليل عددهم وخفض أجورهم بالإستعانة بالذكاء الاصطناعي وقررت أكاديمية الأوسكار فرض شروط ان يكون المرشح للجوائز بشر وكتاب السيناريو كذلك ويظل الدور الرئيسي للتأليف بشر وليس ذكاء. (من أمثلتها أفلام الحركة والانيمشين وغيرها) اما في الفن التشكيلي يكون عبر الفن الرقمي وغيرها من التصاميم (حتى بدأت تقلل من عمل المصور والمصمم والمعلن وحتى الرسام أصبحت تباع لوحات مولدة بالذكاء الاصطناعي) وذلك من خلال تحليل أنماط الفن الحالي. برامج مثل “DeepArt” و”Artbreeder” اذ تستفيد من خوارزميات الذكاء الاصطناعي لإنشاء لوحات وصور تتسم بالإبداع والتفرد، مستلهمة من أساليب متعددة ومعقدة يمكن للذكاء الاصطناعي أن يتعلم أنماط الفنانين العالميين، ويمكن لبرامج مثل «دال-إي» DALL-E و «Miduji» إنتاج صور فنية تجمع بين الخيال البشري والتقنيات الحسابية المعقدة، اما في مجال الكتابة الأدبية فقد تم انتاج روايات وداوين شعرية بالذكاء الاصطناعي وظهرت فضائح للاعلام كشفت عن ذلك كما وتعد Magic Write™ ماجك رايت الكتابة السحرية من Canva كانفا أداة كتابة ذكية مدعومة بالذكاء الاصطناعي توليد النصوص، الشعرية والسردية. وفيما يتعلق بالذكاء الاصطناعي في الفن المسرحي وبالعودة الى المفصل التاريخي 1920 فقد كتبت مسرحية (انسان روسوم الالي) للكاتب التشيكي كاريل شابيك والتي عدت البداية الحقيقية لميلاد مصطلح “الروبوت “احد مظاهر الذكاء الاصطناعي” ويمثل هذا السبق بفرادة كارل تشابيك بالتسمية والتنبؤ بما يمكن ان يحدثه آثر الذكاء الاصطناعي، وكذلك مسرحية الالة الحاسبة للكاتب الامريكي المر رايس 1923 وكلاهما تعدان بمثابة نقد للطابع الالي للحياة المعاصرة في بدايات القرن العشرين وسخرية من الالة الحديثة بكل ابعادها، وتقدم رؤاها عن آثر التكنولوجيا على صورة الحياة وكيف انها تقيد حياة الانسان من جديد أي ان النقد الواقعي من قبل كتاب هذه المسرحيات كان يوحي بمخاطر وازمات الذكاء الاصطناعي كتمثيل من تمثلات الرأسمالية المادية المعاصرة التي بدأت تجتاح المجتمع الأوربي، ولذلك يمكن القول من الناحية التقنية يستطيع الذكاء الاصطناعي تحليل الأعمال المسرحية السابقة واستنباط توجهات إبداعية جديدة بناء على تلك الحبكات مما يفتح الباب أمام كتاب النصوص لاستلهام أفكار مبتكرة غير تقليدية وممكن الإفادة من الذكاء الاصطناعي بتقنيات وإخراج المسرح والسينوغرافية ومسرح الطفل وغيرها (كجوانب تقنية). اما المؤاخذات والملاحظات تتمثل في صعوبة فهم تطبيقات الذكاء الاصطناعي للمشاعر الانسانية والقيم الإجتماعية فالكاتب يتحسس الام مجتمعه ويحاول إعادة صياغتها بصوره الخاصة واحاسيسه النابعة من معايشة التجربة وسردياته الخاصة والحاجة الى صياغة دليل أخلاقي لتنظيم هذه الاعمال.(حقوق النشر وغيرها) اذ ان الطريقة التي تعتمدها الروبوتات في كتاباتها مفككة الأسلوب وينعدم الترابط بين الجمل والكلمات ، ولا تقوى على تكوين جملة واحدة مترابطة واضحة المعاني ” كما لابد من الإشارة الى ان النص المولد بالذكاء الاصطناعي يوفر مساحة متوازنة من حيث صياغة شكل النص اللغوية والاملائية والنحوية وتعتمد النصوص المولدة بالذكاء الاصطناعي على قيمة التغذية المسبقة لتقديم مخرجات نوعية تمثل حاصل إنصهار كل النصوص السابقة ويبقى النص البشري لا يمكن العبور عليه إلا من النواحي الشكلية أما الدلالة والجوهر وصياغة الصور وتخيل الأفكار الإبداعية وإنتاج المعاني من خلال الصور والأحاسيس فهي ملك الإنسان، وعليه يُستخدم الذكاء الاصطناعي ربما كأداة تعزز الإبداع البشري، لا كبديل عنه، فقد يكون مفيداً في بعض الجوانب التقنية، مثل تنظيم المعلومات أو تطوير أفكار جديدة، لكنه لا يجب أن يكون بديلاً عن الكاتب الذي يمثل المجتمع وقيمه وتطلعاته وفي الختام فقد خلص المحاضر الى انه اصبح التحدي المستقبلي يكمن في الموازنة بين الجانب التقني والبعد الانساني في الفن والادب. فالإبداع لا يُولد من الخوارزميات، بل من قلب الكاتب وروحه وندوبه وتجربته الإنسانية العميقة التي تصعب على الذكاء الاصطناعي.


الذكاء الاصطناعي في إتحاد الأدباء والكتاب فرع البصرة | زين العابدين عبدالمطلب




