الزيدي.. والمعادلة الأعقد | بقلم أمير علي الحسون

هيئة التحريرمنذ ساعتينآخر تحديث :
Screenshot
Screenshot
لا شيء جديد في هذه الحكومة سوى شخص رئيس الوزراء علي الزيدي، الذي يمتلك إمكانيات مادية كبيرة وخبرة واسعة ومعرفة دقيقة بمؤسسات الدولة ووزاراتها وآليات عملها، فضلاً عن إلمامه بالعقود التجارية والأنشطة الصناعية والتجارية والنفطية، ومعرفته بمواطن الخلل ومكامن الفساد والطرق التي يُمارس بها داخل مؤسسات الدولة، والتي كثيراً ما تختبئ خلف عبارة «حسب الضوابط». لكن هذه المعرفة الواسعة وحدها لا تكفي لصناعة التغيير، لأن حكومة الزيدي ليست جديدة تماماً في بنيتها السياسية، بل هي إلى حد كبير امتداد للحكومات السابقة تحت عناوين الكفاءة والإنجاز والحكومة الوطنية، بينما تبقى التوافقات السياسية والمحاصصة حاضرة في تشكيلتها، الأمر الذي يعني أن عدداً من الوزراء الموجودين فيها لا يمثلون بالضرورة خيار الزيدي وحده، وبعضهم قد لا يمثل حتى الحد الأدنى من رؤيته وأهدافه التي يريد تحقيقها من خلال الكابينة الوزارية.
والمشكلة لا تتوقف عند الوزراء، فالمحاصصة ما زالت حاضرة في معظم مؤسسات الدولة، من المناصب العليا وصولاً إلى الوكلاء والمديرين العامين ومديري الأقسام، وتمتد بالآلية نفسها إلى الحكومات المحلية والمحافظين ومختلف مفاصل الإدارة، لتتحول المحاصصة من طريقة لتوزيع المناصب إلى منظومة متكاملة لإدارة الدولة. وهذه هي البيئة التي ينمو فيها الفساد، لأن استمرار المحاصصة يعني استمرار حماية المصالح السياسية التي تقف خلف المسؤولين، ويعني أيضاً استمرار الفساد المنظم وغير المنظم وتعطيل مبدأ المسؤولية والمحاسبة. ولذلك فإن من يريد مكافحة الفساد من دون الاقتراب من جذور المحاصصة إنما يحاول معالجة النتائج ويترك الأسباب قائمة.
والسؤال الأصعب أمام الزيدي هنا: هل يستطيع أن يفرض على القوى السياسية إلغاء الهيئات الاقتصادية وإنهاء المحاصصة تدريجياً، وأن يجعل كل زعيم سياسي مسؤولاً بصورة واضحة عن الوزير أو الوكيل أو المدير العام الذي رشحه؟ وهل يستطيع أن ينقل العلاقة بين الأحزاب والدولة من منطق الحماية والنفوذ إلى منطق المسؤولية والمحاسبة؟ لأن بقاء المسؤول السياسي بعيداً عن نتائج أداء من يرشحه سيبقي الدولة تدور في الحلقة ذاتها، وسيجعل مكافحة الفساد مجرد قرارات محدودة لا تمس البنية التي أنتجته.
ومن الخطأ أيضاً الاعتقاد بأن من كان معارضاً للنظام البائد أو عمل في الأحزاب الحالية أصبح بالضرورة سياسياً محنكاً. فالعملية السياسية العراقية، رغم أنها جاءت في مرحلة تاريخية كان يفترض أن تؤسس لديمقراطية جديدة، تعرضت لتشوهات عميقة بفعل المحاصصة والفساد، حتى أصبحت الديمقراطية في كثير من الأحيان غطاءً لتقاسم النفوذ بدلاً من أن تكون وسيلة لبناء دولة المؤسسات. والسياسي المحترف لا يقاس بتاريخ المعارضة ولا بعدد السنوات التي قضاها في العمل الحزبي، ولا بقدرته على المناورة بين الكتل، وإنما بقدرته على قراءة المشهد العراقي بتجرد، واتخاذ القرار الذي يحمي العراق ومصالحه وسيادته. فالسياسة ليست فن البقاء في السلطة، بل فن حماية الدولة عندما تتعارض المصالح، وصناعة التوافق الوطني عندما تتزاحم الانقسامات.
لكن المعادلة الأعقد أمام الزيدي لا تقع في الداخل وحده، وإنما تمتد إلى السياسة الخارجية العراقية، حيث تقف ثلاثة اتجاهات رئيسية داخل العملية السياسية أمام اختبار بالغ التعقيد. فالمكون السني والمكون الكردي يمتلكان تقارباً كبيراً مع المشروع الأمريكي، في حين أن أغلب القوى الشيعية ليست قريبة من المشروع الأمريكي، ولديها علاقات ومواقف أقرب إلى إيران، فضلاً عن تعاطف عقائدي ووجداني لدى قطاعات واسعة منها مع إيران في مواجهة عدواناً أمريكياً وإسرائيلياً. وبين هذه الاتجاهات المتباينة، يريد الزيدي أن يجمع المصالح المختلفة في بودقة واحدة عنوانها مصلحة العراق، وأن يصنع قراراً وطنياً عراقياً لا يكون تابعاً لا لواشنطن ولا دول الخليج او تركيا بل ولا لطهران ولا لأي محور إقليمي أو دولي.
وهذه مهمة ليست سهلة على الإطلاق، خصوصاً مع تصاعد حجم التحديات والتوتر بين إيران والولايات المتحدة والغرب بصورة عامة. فكلما ارتفع مستوى الصراع الدولي والإقليمي، تضيق مساحة المناورة أمام العراق، ويصبح إنتاج قرار وطني موحد أكثر صعوبة. والمشكلة الحقيقية أن العراق لا يستطيع أن يكون قوياً في الخارج إذا كان منقسماً في الداخل، ولا يستطيع أن يفرض مصالحه الوطنية إذا كانت القوى السياسية تختلف في تعريف هذه المصلحة تبعاً للولاءات والمحاور.
وأنا أكتب هذه المقالة أجد نفسي متفائلاً إلى حد ما، لكنني متخوف أكثر. التفاؤل يأتي من عناصر قوة يمتلكها الزيدي اليوم، والقلق يأتي من حجم القوى التي يمكن أن تقف في طريق أي محاولة حقيقية لتغيير قواعد اللعبة. فالزيدي يستطيع أن يراهن على قبول شعبي واسع لأي خطوة جادة في مكافحة الفساد واستعادة هيبة الدولة، وهذا القبول لا يقتصر على منطقة أو مكون، بل يمتد إلى شمال العراق وغربه ووسطه وجنوبه. كما أن هناك انسجاماً وتنسيقاً مع مجلس القضاء الأعلى، فضلاً عن وجود قبول وترحيب من المرجعية بأي خطوات حقيقية تعزز الدولة وتواجه الفساد، إضافة إلى المواقف الداعمة لمشروع الدولة ومكافحة الفساد لدى التيار الصدري بزعامة السيد مقتدى الصدر.
وهذه كلها أوراق قوة يستطيع الزيدي أن يستثمرها إذا أراد فعلاً أن يخوض معركة مختلفة. لكنه في المقابل يحتاج إلى أن يراهن على الشعب العراقي، وعلى المرجعية، وعلى القضاء، وعلى كل المكونات الوطنية داخل الدولة، لا على رضا الكتل السياسية وحده. لأن الرهان على رضا الجميع قد يقود في النهاية إلى إرضاء أصحاب النفوذ على حساب الدولة، بينما الرهان على الرأي العام والمصلحة الوطنية يمكن أن يمنح رئيس الوزراء مساحة سياسية لمواجهة مراكز القوة.
ولا بد هنا من مصارحة الرأي العام بحقيقة أكبر من تفاصيل الحكومة والوزارات. فالجبال الجليدية التي تشكلت بفعل ترتيبات سايكس بيكو بدأت تتعرض للاهتزاز في الشرق الأوسط الجديد، والمنطقة تدخل مرحلة إعادة تشكيل لم تعد فيها الخرائط السياسية وموازين القوى بمنأى عن التغيير. وأي بلد لا يمتلك تماسكاً وطنياً حقيقياً يصبح من السهل تكسير جباله الجليدية وتحويلها إلى قطع متناثرة. ولذلك فإن مسؤولية زعامات الكتل السياسية اليوم أن تغادر منطق الولاءات القومية والطائفية والحزبية عندما تتعارض مع المصلحة العليا للدولة، وأن تنحصر بوصلتها في الحس الوطني العراقي.
فالشعب العراقي، بكل مكوناته، لا يمكن أن يتنازل ولو عن شعرة واحدة من سيادة العراق ووحدة العراق ووطن العراق، وهو أكثر حرصاً على بلده من أي جهة سياسية تنظر إلى العراق من خلال مصالحها الحزبية أو ارتباطاتها الخارجية. ولهذا فإن على الزيدي ألا يتنازل لأي جبهة سياسية عراقية تحاول إبعاد القرار الوطني عن مصلحة العراق أو إضعاف الدولة العراقية أمام صراعات دولية وإقليمية واضحة تستهدف في النهاية الدول الضعيفة والمنقسمة.
المعادلة إذن ليست بسيطة. فالزيدي لا يواجه فساداً إدارياً فقط، ولا يواجه محاصصة سياسية فقط، ولا يواجه صراعاً خارجياً فقط، وإنما يواجه هذه الملفات مجتمعة في وقت واحد. وإذا استطاع أن يبدأ بتجفيف منابع الفساد وتجفيف منابع المحاصصة، وأن يحمل الزعامات السياسية مسؤولية من يرشحونهم لمواقع الدولة، وأن يعزز استقلال مؤسساتها، وأن يحول دون استخدام العراق ساحة لتصفية الحسابات الدولية والإقليمية، فإنه يكون قد بدأ فعلاً بتغيير قواعد اللعبة.
أما إذا يتحول لا سامح الله أسيراً للخوف من تهديدات زعامات الكتل أو لحسابات الأزمات السياسية، وإذا اكتفى بإدارة التوازنات بدلاً من تغييرها، فسوف يصبح، رغم اختلاف شخصيته وإمكاناته، حالة مشابهة لتجارب رؤساء الوزراء السابقين: يعرفون مكامن الخلل، ويشخصون الفساد، ويتحدثون عن الإصلاح، لكنهم لا يستطيعون الوصول إلى الجذور التي تنتج الأزمة.
لقد دخل العراق مرحلة لم يعد فيها ترف إضاعة الفرص ممكناً. فمع التحولات غير المسبوقة في المنطقة وإعادة رسم موازين القوى، تصبح الدول التي تعجز عن بناء جبهة داخلية متماسكة هي الأكثر عرضة لدفع أثمان الصراعات الإقليمية والدولية. ونجاح علي الزيدي لن يقاس بعدد القرارات التي يصدرها، ولا بحجم الملفات التي يفتحها، وإنما بقدرته على تغيير قواعد إدارة الدولة، وتجفيف ينابيع المحاصصة، وربط السلطة بالمساءلة، وإعادة بناء الثقة بين المواطن والدولة، وتغليب الهوية العراقية على كل هوية فرعية عندما تتعارض مع مصلحة العراق.
قد ينجح الزيدي في معركة الفساد، وقد ينجح في تقوية مؤسسات الدولة، لكن الاختبار الأكبر سيبقى قدرته على صناعة قرار وطني عراقي في بيئة سياسية شديدة الانقسام، وأن يجمع المصالح المتعارضة في موقف واحد عنوانه العراق أولاً. فإذا استطاع أن يثبت أن سيادة العراق ووحدته ومصلحته فوق كل اعتبار، فقد يكتب اسمه بوصفه رجل دولة استطاع أن يغير مساراً سياسياً اعتاد إعادة إنتاج نفسه. أما إذا بقي أسيراً للمحاصصة وحسابات الكتل والولاءات المتعددة، فلن تختلف حكومته كثيراً عن سابقاتها التي أدركت حجم الأزمة لكنها عجزت عن تغيير قواعدها.
وهنا تكمن المعادلة الأعقد أمام علي الزيدي: هل يراهن على رضا الكتل السياسية، أم على رضا الشعب العراقي؟ هل يخشى تهديدات مراكز النفوذ، أم يواجهها بإسناد الرأي العام والمرجعية والقضاء؟ وهل يستطيع أن يجعل من اختلاف المكونات العراقية مصدر قوة في صناعة القرار الوطني، بدلاً من أن يتحول اختلافها إلى ثغرة تتسلل منها الصراعات الإقليمية والدولية؟
التاريخ لا يمنح السياسيين فرصاً كثيرة. واليوم يقف الزيدي أمام فرصة قد لا تتكرر، وفي المقابل أمام مخاطر قد تبتلع هذه الفرصة إذا لم يمتلك الشجاعة الكافية. فإما أن يفتح باباً لإصلاح حقيقي يبدأ من تفكيك منظومة المحاصصة وربط المسؤولية بالمحاسبة، وينتهي ببناء دولة قرارها عراقي وسيادتها مصانة، وإما أن تنضم حكومته إلى قائمة الحكومات التي عرفت الأزمة وشخّصت المرض لكنها لم تمتلك القدرة على اقتلاع جذوره. وعندها لن يكون العراق قد خسر رئيس وزراء آخر فقط، بل سيكون قد خسر فرصة جديدة لبناء دولة تستحقها أجياله القادمة.
هذه هي المعادلة الأعقد أمام حكومة الزيدي: دولة تريد أن تنهض، ومنظومة تخشى أن تفقد امتيازاتها، وشرق أوسط يعاد تشكيله، وعراق يحتاج للمرة الأولى منذ سنوات إلى أن يتحدث بصوت وطني واحد. وبين التفاؤل والقلق، يبقى السؤال مفتوحاً: هل يستطيع علي الزيدي أن يكون رئيس وزراء يدير التوازنات، أم رجل دولة يغير قواعدها؟
عاجل !!