لغة الصمت، قصة قصيرة | بقلم : د.عزيز جبر يوسف

هيئة التحريرمنذ 18 ثانيةآخر تحديث :
لغة الصمت، قصة قصيرة | بقلم : د.عزيز جبر يوسف

لغة الصمت،
قصة قصيرة
بقلم : د.عزيز جبر يوسف
كانا يبدآن نهارهما بكتاب، وينهيانه بحوار.
في زمن لم تكن الشاشات قد استوطنت البيوت، كان الحب بينهما يولد في المكتبات، ويكبر في معارض الكتب، ويزدهر على طاولة صغيرة في مقهى، حيث كانت الروايات تثير خلافاتهما الجميلة، وتجمعهما القصائد أكثر مما تفرقهما الآراء.
تزوجا، وأنجبا أبناءً ملأوا البيت ضجيجًا وحياة. ومع السنين دخلت التكنولوجيا إلى كل شيء، وأصبحت الهواتف ضيفًا دائمًا على المائدة، ثم صارت صاحب البيت.
لم ينتبها إلى الزمن إلا حين غادر الأبناء واحدًا بعد آخر، بعد أن أسس كل منهم حياته. عاد الزوجان وحدهما إلى البيت الكبير الذي كان يفيض بالأصوات، فإذا به يمتلئ بالصمت.
عاد هو إلى مكتبته، يقرأ ويكتب كل يوم، وكأن الكتب تمده بعمر جديد.7878
أما هي، فلم تعد تقترب من رفوف الروايات. اكتفت بمصحفها، تقرأه كل صباح، ثم تجلس طويلًا تحدق في السماء، كأنها تنصت إلى شيء لا يُسمع.
ذات مساء، أغلق كتابه، وقال مبتسمًا:
– أأعلنتِ الطلاق بينك وبين الكتب؟ كنتِ أكثر الناس عشقًا لها.
ابتسمت وقالت:
– بل تصالحت مع القراءة.
تعجب.
قالت:
– كنت أقرأ لأعرف العالم، فاكتشفت أن العالم يزداد ضجيجًا كلما ازددت معرفةً به. حروب، وكراهية، ونفاق اجتماعي، وأخبار تتدفق بلا رحمة… حتى الكلمات نفسها أصابها التعب.
ثم رفعت المصحف برفق، وقالت:
– عندما ضاق صدري، لم أبحث عن كتاب جديد، بل بحثت عن نفسي. وجدتها هنا. الآن أتعلم لغة الصمت، ومناجاة الله. أدركت أن المعرفة ليست في كثرة ما نقرأ، بل في الأثر الذي يتركه ما نقرأه في أرواحنا.
ظل صامتًا.
لأول مرة شعر أن مكتبته، على اتساعها، لم تعلّمه هذا الدرس.
وفي تلك الليلة، لم يكتب مقالًا، ولم يفتح هاتفه، بل جلس إلى جوارها يقرأ بصمت.
وحين انتهى، قال بهدوء:
– كنت أظن أن التكنولوجيا هي التي سرقت الناس من الكتب… لكنني اكتشفت أن الذي يسرق الإنسان حقًا هو الضجيج، وأن القراءة الحقيقية ليست عدد الكتب التي ننهيها، بل مقدار السكينة التي نكسبها منها.
أغلقت المصحف، ونظرت إليه بعينين امتلأتا امتنانًا، وقالت:
– وما دام الحب يجعلنا نتعلم من بعضنا، فنحن ما زلنا في الصفحة الأولى…
وخارج نافذة البيت، كانت المدينة تزداد صخبًا، بينما كان في الداخل كتاب، ومصحف، وقلبان اكتشفا، بعد عمر طويل، أن أجمل القراءات هي تلك التي تقود الإنسان إلى الله، وتجعل المعرفة أكثر رحمة، والمحبة أكثر صدقًا.
د.عزيزجبريوسف/ العراق

عاجل !!