ترددت على ألسنتنا عقوداً طويلة حكمة تختصر حال المجتمعات والمؤسسات عندما يفسد رأسها، فالقول المأثور: “إذا كانَ ربُّ البيتِ بالدفِّ ضارباً.. فشيمةُ أهلِ البيتِ كلِّهِمُ الرَّقصُ”، لم يعد مجرد بيت شعر يضرب به المثل في تأثر سلوك الأولاد بآبائهم، بل تحول اليوم إلى معادلة سياسية واضحة تفسر طبيعة العلاقة بين رؤساء الكتل السياسية ونوابهم تحت قبة البرلمان العراقي. في هذا الواقع، تحول المشهد إلى “عازف وراقص” على أنغام المقدرات العامة، حيث يحدد رئيس الكتلة الإيقاع، ويمارس النواب الرقص التشريعي والرقابي خلفه.
“رب البيت” يحدد الإيقاع: ثقافة الولاء قبل النزاهة العلة لا تبدأ من النائب الفاسد، بل تبدأ من الماكينة الحزبية التي أنتجته ورسمت له حدود الحركة. رؤساء الكتل السياسية (أرباب البيوت الحزبية) هم من يختارون البيادق التي تنزل إلى المعترك الانتخابي وفق معايير محددة:
شراء المقاعد والولاءات: عندما يكون معيار صعود النائب هو مدى ولائه الأعمى لرئيس كتلته، أو حجم الأموال التي دفعها لحجز مقعده في القائمة، فإن “رب البيت” هنا قد نقر على دف الفساد والمحاصصة مبكراً.
الحماية السياسية المتبادلة: رئيس الكتلة النافذ يمثل مظلة حماية لنوابه. فإذا تورط نائبه في ملف عقود مشبوهة، تحركت العلاقات السياسية والتهديدات المتبادلة لغلق الملف، مما يبعث برسالة واضحة لبقية النواب: “ارقصوا كما شئتم، فالبيت يحميكم”.
النواب و”شيمة الرقص”: الفساد كأثر جانبي حتمي عندما يرى النائب أن رئيس كتلته يتفاوض في الغرف المظلمة على ميزانيات ومشاريع وصفقات مليارية لحسابه الشخصي أو الحزبي، فإنه تلقائياً سيتخذ من هذا السلوك “قدوة” وينهج ذات السلوك في دوائره الأصغر.
أكثر من نصف البرلمان.. في دائرة الشبهات: تشير التقارير الرقابية (وحتى الاعترافات المتبادلة بين النواب أنفسهم) إلى أن نسبة من يدورون في فلك الاستغلال الوظيفي تتجاوز النصف بكثير. يتحول النائب هنا من “ممثل للشعب” إلى “مستثمر” يبحث عن استعادة الأموال التي أنفقها في حملته الانتخابية وتحقيق أرباح مضاعفة.
توزيع الأدوار داخل “البيت”: يصبح البرلمان أشبه بجوقة؛ رئيس الكتلة يوقع على الاتفاقيات السياسية الكبرى، والنائب يمارس “الرقص” عبر ابتزاز الوزارات، أو تمرير عقود محلية، أو التغطية على سرقات في المحافظات تابعة لنفوذ كتلته.



