حين كان الرحالة يمرون ببغداد قبل قرون كانوا يصفونها بمدينة يحرسها القانون أكثر مما تحرسها الأسوار وكانت هيبة الدولة تُقاس بقدرتها على صيانة المال العام لأن ضياع المال كان بداية ضياع السلطان وكل خزينة تنفتح أمام الطامعين تفتح معها أبواب الخراب حتى قال بعض المؤرخين إن الدول لا تسقط ساعة تدخلها الجيوش وإنما تبدأ رحلة السقوط يوم يصبح المال العام غنيمة ويصبح المنصب طريقاً إلى الثروة ويغيب الحساب عن أصحاب النفوذ
ومنذ عام 2003 أخذ العراق يسير في طريق طويل ازدحمت فيه العناوين الكبيرة، ديمقراطية، إصلاح، بناء مؤسسات، شراكة وطنية، وكل عنوان حمل معه أملاً جديداً ثم انقضت السنوات ووجد العراقي نفسه أمام مشهد آخر موازنات بمليارات الدولارات خدمات متعثرة مشاريع اختفت قبل أن ترى النور وثروات نمت بسرعة أثارت دهشة الناس حتى صار السؤال يدور في كل مجلس: من أين جاءت هذه الأموال؟
كل قضية فساد كانت تجر خلفها قضية أكبر وكل ملف يقود إلى أسماء جديدة حتى تشكلت شبكة واسعة اختلطت فيها السياسة بالتجارة والسلطة بالمصالح والوظيفة بالنفوذ وأصبح المال ينتقل من مؤسسة إلى شركة ومن شركة إلى مصرف ومن مصرف إلى عقار ثم يعود بثوب المستثمر ورجل الأعمال بينما بقي المواطن يطارد أبسط حقوقه بين دائرة وأخرى
الأيام الأخيرة حملت أخباراً عن اعتقالات داخل المنطقة الخضراء والمحافظات الأخرى طالت متهمين بقضايا فساد وغسل أموال فالتفتت الأنظار إلى بغداد من جديد فالعراقي يعرف قيمة الخبر ويعرف أيضاً أن الخبر وحده لا يغيّر الواقع لأن ذاكرته مليئة بملفات بدأت بضجيج كبير ثم غابت أخبارها مع مرور الأيام لذلك أصبح ينتظر النهاية قبل أن يكتب حكمه على البداية
الدولة اليوم تقف أمام امتحان صعب فالناس لا تبحث عن أسماء جديدة تدخل السجون الناس تبحث عن مرحلة جديدة يدخل فيها القانون إلى كل الأبواب لأن الفساد الذي عاش أكثر من عشرين عاماً لم يصنعه موظف صغير صنعته منظومة كاملة امتلكت المال والنفوذ والحماية ولهذا فإن هدمها يحتاج إلى قرار يبقى ثابتاً مهما اشتدت الضغوط
وهنا يقف السؤال الذي يتردد في الشارع قبل أن يتردد في الصحف: هل يملك رئيس الحكومة مفاتيح القرار كاملة أم أن القرار يتوزع بين قوى كثيرة لكل واحدة حساباتها وحدودها وخطوطها الحمراء؟
فالرئيس الذي يقود حملة على الفساد يحتاج إلى سلطة لا تستثني أحداً لأن الطريق الذي يتوقف عند “الأبواب الكبيرة” لا يقود إلى الإصلاح وإنما يقود إلى تبديل الوجوه
العراق اليوم لا يحتاج حملة موسمية ولا بيانات مطولة ولا مؤتمرات صحفية يحتاج حقيقة واحدة يعرفها الناس جميعاً حقيقة تقول إن المال العام عاد إلى أصحابه وإن القانون أصبح أعلى من النفوذ وإن الدولة استعادت هيبتها بعد سنوات طويلة من الانتظار وعندها فقط يستطيع العراقي أن يقول إن صفحة جديدة قد بدأت أما إذا بقيت الملفات تدور في الحلقة نفسها فسوف يبقى السؤال معلقاً فوق المشهد كله
هل يجلس في القصر رئيس يقود الدولة…أم رئيس تقوده موازين القوى؟





