تاريخ المؤسسات الأمنية في العراق بعد عام 2003 مرّ بمنعطفات هائلة، ظلت فيها أغلب الأجهزة أسيرة الترهل الإداري، والتقوقع خلف البيروقراطية، والمجاملات التي أفقدت العمل الاستخباري والأمني قيمته النوعية. وفي قراءة فاحصة لمسيرة جهاز الأمن الوطني العراقي الممتدة عبر 22 عاماً، يتضح للمراقب المنصف أن التحول الجذري والنوعي للمؤسسة انحصر في السنوات الثلاث الأخيرة؛ وهي الفترة التي تسلم فيها “أبو علي البصري” (عبد الكريم عبد فاضل حسين البصري) رئاسة الجهاز منذ تموز 2023. هذا التحول لم يكن مجرد تغيير في الهرم القيادي، بل كان إعادة صياغة كاملة لعقيدة الجهاز ودوره في حماية الأمن القومي والمجتمعي.
من “صندوق البريد” إلى الفاعلية الميدانية والأمن المناطقي
عانت مفاصل جهاز الأمن الوطني لسنوات طويلة من الاختزال الإداري، حيث تحولت بعض دوائره إلى ما يشبه “المواشين العشائرية” ودواوين الشيوخ، أو انحصر دورها في أعمال الروتين التقليدي كتدقيق البيانات، وإدخال المعلومات، وإصدار الكتب الرسمية التي لا تتجاوز وظيفة “صندوق البريد”.
لكن، وخلال ما يقارب الألف يوم من قيادته، أحدث البصري—الذي يحمل إرثاً استخبارياً صلباً من قيادته السابقة لـ “خلية الصقور”—انقلاباً بنيوياً في آليات العمل. ففكك حلقات الروتين القاتل عبر ابتكار وتطبيق استراتيجية “الأمن المناطقي”، التي جعلت من ضباط ومنتسبي الجهاز قوة مرنة تضرب جذور الجريمة والتهديدات في مهدها، بدلاً من الانتظار خلف المكاتب.
الالتحام بالمواطن: كسر الحواجز وحملة “إحنا بظهركم”
الميزة الأبرز التي سجلها البصري في سجل الأمن الوطني هي النزول المباشر إلى الشارع والاحتكاك بالواقع اليومي للمواطن العراقي، مستمعاً لمشاكله ومتفاعلاً مع هواجسه. ولم يعد الأمن في عهده مقتصراً على مكافحة التهديدات الكلاسيكية، بل امتد لحماية السلم الأهلي والنفسي للمجتمع.
وتجلت هذه الفلسفة في إطلاق ودعم حملات وطنية كبرى، أبرزها حملة (إحنا بظهركم) لمكافحة الابتزاز الإلكتروني والتوعية منه، والتي جابت شوارع المحافظات والمدارس والجامعات، لتوفر حصانة أمنية ونفسية مباشرة للفئات المستهدفة، محولةً الجهاز إلى مظلة حماية حقيقية يشعر المواطن بوجودها الفعلي في تفاصيل حياته.
جراحة إدارية: مكافحة الفساد وتفكيك “البطالة المقنعة”
بالتوازي مع عمله كرئيس لفريق الإسناد للهيئة العليا لمكافحة الفساد، نقل البصري المعركة ضد الفساد والمحسوبية إلى داخل أروقة جهاز الأمن الوطني نفسه. فلم يتردد في محاسبة المقصرين، وتحريك المياه الراكدة في المفاصل التي أصابها الخمول، وتطهير المديريات من ظاهرة “البطالة المقنعة” والترهل الوظيفي التي تعاني منها أغلب مؤسسات الدولة. هذا الانضباط الصارم أعاد للمؤسسة هيبتها وجعل من الكفاءة والالتزام المعيار الوحيد للبقاء والترقي داخل الجهاز
”رغبة الإنجاز”: القيمة النادرة في الميدان الحكومي
يمتلك الكثير من المسؤولين في العراق آليات الشغل والقدرة التنفيذية، لكن ما يفتقدونه حقاً هو “رغبة الإنجاز الصادقة” والسعي لترك أثر شاخص.
وهنا تكمن فرادة البصري؛ إذ تميز بفتح أبواب الصدر والمكتب أمام المقترحات والأفكار والحلول المبتكرة، حتى تلك التي تأتي من خارج الأطر التقليدية للجهاز. تحمُّسه لهذه الرؤى وتفاعله معها فتح آفاقاً جديدة غير مسبوقة للعمل الأمني التنموي.
في بيئة سياسية تُعلمنا التجارب فيها التخوف من التغييرات الإدارية القادمة—لأن القادم غالباً ما يستند إلى شبكة العلاقات لا إلى الكفاءة، مما يجعله غير مضطر لبذل الجهد—يبقى نموذج البصري استثناءً يثبت أن القيادة هي مسؤوليّة وتاريخ.
عقيدة التضحية مقابل عقلية “المكاسب”
ثمة فارق جوهري يصنع الفارق بين مسؤولي الدولة؛ فالبعض ممن قدموا تضحيات في زمن النظام السابق، اعتبروا مناصبهم اليوم بمثابة “دية” أو مكسب شخصي مشروع لا يحق لأحد محاسبتهم عليه. أما البصري، الذي قدم قوافل من الشهداء من إخوته وعائلته في زمن الديكتاتورية، فقد جعل من تلك الدماء الزكية حافزاً أخلاقياً ووطنياً دافعاً للعمل المستمر والسهر على أمن العراق، دون التفات للمكاسب والامتيازات.
إن السنوات الثلاث الأخيرة من عمر جهاز الأمن الوطني ستبقى الشاهد الأبرز على أن الإرادة الوطنية الخالصة، متى ما اقترنت بالخبرة الاستخبارية والنزاهة، قادرة على تحويل المؤسسات من هياكل بيروقراطية إلى قلاع حقيقية لحماية الدولة والمجتمع.





