بعد مرور أربعة أشهر على إدلاء الناخبين بأصواتهم لا يزال مشهد النصاب المفقود هو المتصدر في أروقة البرلمان.. إن الاستمرار في تعطيل جلسة انتخاب رئيس الجمهورية ليس مجرد “مناورة سياسية” أو ممارسة لحق ديمقراطي كما يحلو البعض تسميته بل هو انزلاق تدريجي نحو شلل مؤسساتي يهدد جوهر النظام السياسي واستقرار الدولة.. الدستور ليس وجهة نظر تقبل التأويل عند كل أزمة وتجاوز المهل الدستورية لانتخاب الرئيس يضع السلطة التشريعية في موقف حرج أمام الشارع وعندما تتحول الاستثناءات إلى قواعد، تضعف هيبة القانون، ويصبح الالتزام بالنصوص الدستورية مجرد خيار خاضع للمزاج الحزبي.. تعطيل انتخاب الرئيس لا يقف عند حدود قصر الرئاسة فهو يمنع تكليف رئيس وزراء جديد، وبالتالي يبقي البلاد تحت رحمة حكومة “تصريف أعمال” محدودة الصلاحيات في ظل تحديات اقتصادية وإقليمية متسارعة، لا تملك الدولة رفاهية الانتظار لشهور أخرى دون موازنات مقرة أو قرارات استراتيجية فاعلة.. ما هي الرسالة التي تصل للمواطن الذي انتظر في طوابير الاقتراع؟ الرسالة هي أن صوته قد تم تحييده لصالح “التوافقات” ..إن اتساع الفجوة بين إرادة الناخب وأداء الممثلين يؤدي حتماً إلى عزوف سياسي مستقبلي، مما يفتح الباب أمام بدائل غير ديمقراطية لسد الفراغ.. إن ممارسة “الثلث المعطل” أو كسر النصاب قد تخدم تكتيكاً حزبياً آنياً، لكنها تكرس سابقة خطيرة تجعل من الفراغ وسيلة ضغط دائمة.. الديمقراطية هي حكم المؤسسات، وتعطيل هذه المؤسسات هو طعنة في قلب الاستقرار الوطني.
مقالات ذات صلة


