منذ عقود والعراق يجد نفسه مضطرًا للعب دور ساحة تصفية الحسابات لكن مع تسارع طبول الحرب بين الولايات المتحدة وإيران في مطلع هذا العام 2026 لم يعد السؤال هل سيتأثر العراق؟ ، بل أصبح: “هل يمتلك العراق ترف البقاء خارج الحلبة؟.. لقد وضعت الهجمات الجوية الواسعة التي شنتها واشنطن وتل أبيب على العمق الإيراني في فبراير الماضي بغداد أمام مفترق طرق لم يشهده العقدان الأخيران فبينما تحاول الحكومة العراقية جاهدة التمسك بـ “الحياد الإيجابي”، تضغط الجغرافيا والولاءات السياسية في اتجاه مغاير تمامًا.. المعضلة العراقية اليوم تكمن في أن البلاد ليست طرفًا رسميًا في الصراع، لكنها “ميدان” جغرافي لا يمكن تجاوزه.. إغلاق المجال الجوي العراقي لمدة شهر بسبب العمليات العسكرية لم يعطل رحلات الطيران والرياضة فحسب بل كان إشارة رمزية إلى سلب “السيادة الجوية” في لحظة الصدام الكبرى فبين صواريخ تعبر الأجواء وطائرات مسيرة تنطلق من الداخل أو تستهدفه، يبدو الحياد الرسمي أشبه بمحاولة الإمساك بالماء.. وفي الداخل، يعيش العراق انقسامًا حادًا يهدد هويته الوطنية ويحاول رئيس الوزراء الحفاظ على شعرة معاوية مع واشنطن لضمان تدفق الدولار والدعم الاستخباري، خاصة مع ضغوط وزير الخارجية الأمريكي “ماركو روبيو” الواضحة..بينما ترى الفصائل في الحرب معركة وجودية، وتعتبر الأراضي العراقية جزءًا طبيعيًا من جبهة “محور المقاومة”، مما يجعل استهداف القواعد الأمريكية في “عين الأسد” أو “حرير” صاعق تفجير قد يجر الدولة العراقية رسميًا إلى محرقة لا ترغب بها.. وبعيدا عن لغة السلاح، يواجه المواطن العراقي حربًا من نوع آخر. فكل دولار يدخل الخزينة يمر عبر نيويورك، وأي انزلاق نحو الجانب الإيراني يعني “فيتو” ماليًا أمريكيًا قد ينهي الاقتصاد الريعي العراقي في أيام.. ومع تهديدات غلق مضيق هرمز، يصبح العراق الذي يعتمد كليًا على تصدير نفطه عبر الخليج في مواجهة خطر الاختناق المالي الحاد.. إن نجاة العراق من هذه العاصفة تتطلب معجزة سياسية تتمثل في توحيد القرار الأمني تحت سلطة الدولة حصراً .. ويبقى التحدي الأكبر هل تنجح بغداد في إقناع الجارين اللدودين بأن عراقاً مستقراً ومحايداً هو أفضل للجميع من عراق محترق يفيض بالنازحين والفوضى؟؟


