العراقي صانع للأزمات / د.حسن جمعة

هيئة التحريرمنذ 4 ساعاتآخر تحديث :
العراقي صانع للأزمات / د.حسن جمعة

ربما ينفرد العراقي بصفة قلَّ نظيرها في العالم ولو على اقل تقدير في دول الجوار عربية كانت او غير عربية وهو انه يعيش جو الازمة ويخضع بشكل كبير لتأُثير الاشاعات المغرضة والمضللة ويتسبب بخلق ازمات حياتية ويومية كبيرة.. ويقال يُقال إن الطبيعة لا تحب الفراغ، ويبدو أن الشخصية العراقية، في تراكماتها السيكولوجية، لا تحب الهدوء كما الطبيعة ففي اللحظة التي يصفو فيها الجو، وتكاد “المركب تسير” دون ارتجاجات، يخرج من بيننا من يحرك العصا في الراكد، لا لشيء، إلا لأن الهدوء يثير ريبتنا.. نحن شعبٌ لا يثق بالصمت، ونعتبر  الاستقرار  مجرد فخ أو استراحة محارب بانتظار كارثة قادمة..

والمتأمل في تفاصيل حياتنا اليومية يجد أننا نملك قدرة فائقة على تحويل “سوء تفاهم” بسيط حول أولوية المرور في شارع مزدحم، إلى قضية رأي عام تستنفر العشائر والقبائل والمنصات.. نحن نصطنع الأزمة من اللاشيء ؛ لأننا، وبكل صراحة، اعتدنا على “الأدرينالين” المرتبط بالتوتر..  لقد تحولت الأزمة من ظرف طارئ إلى “نمط حياة .. أما على مستوى السوق فيكفي أن يهمس أحدهم بارتفاع محتمل لسعر مادة ما، حتى ترى الطوابير تمتد وكأن المجاعة على الأبواب، فنخلق أزمة عرض وطلب من محض خيال..على مستوى التواصل  تتحول “بوستات” فيسبوكية تافهة إلى معارك هوياتية طاحنة، وكأن مصير الأمة معلق برأي عابر لمدون يبحث عن  التفاعل .. اما لماذا نفعل ذلك؟.. ربما هو  إرث القلق فقد مرت قرون من الحروب والتحولات المفاجئة جعلت العراقي يشعر أن الأمان حالة مؤقتة، وأن الأزمة هي الحالة الطبيعية. لذا، حين تغيب الأزمة الحقيقية، نقوم بـ “تخليقها” مخبرياً في بيوتنا ومؤسساتنا، لنشعر أننا ما زلنا على قيد الحياة، أو لنبرر فشلنا في إدارة الرخاء.. نحن نجيد إدارة الكوارث، لكننا “نضيع” تماماً في أوقات السلم والهدوء.. حيث إننا لا نصنع الأزمات لنحلها، بل لنعيش داخلها؛ فهي تعطينا ذاك الشعور الموهوم بالأهمية والانشغال الدائم.”

إن المبالغة في تضخيم الصغائر، وتحويل الهفوات إلى “مؤامرات”، واختراع أعداء وهميين في كل زاوية، هو استنزاف لطاقتنا الوطنية.. نحتاج اليوم، أكثر من أي وقت مضى إلى “ثقافة التبريد” بدلاً من  ثقافة التسخين.. فالحياة أقصر من أن نقضيها في ترميم فجوات حفرناها بأنفسنا.

عاجل !!