في كل مرة تتحدث فيها الحكومة عن “الرقمنة” أو “الإصلاح الاقتصادي”، يضع المواطن البسيط يده على قلبه ليس خوفاً من التطور بل لأن تجارب الماضي علمتنا أن “الإصلاح” غالباً ما يبدأ من جيب الفقير وينتهي بلقمته.. اليوم، نعيش تناقضاً صارخاً بين لغة الأرقام التي تتباهى بها الوزارات وبين لغة “القدر” التي يغلي فيها الحرمان داخل بيوت ذوي الدخل المحدود.
من المثير للاستغراب أن يثار الحديث عن حجب الحصة التموينية أو تضييق الخناق عليها في وقت تعلن فيه الدولة عن موازنات “انفجارية” وارتفاع في احتياطيات البنك المركزي.. فكيف يستقيم منطق الوفرة المالية مع سياسة “التقشف” التي تستهدف السلة الغذائية؟.. الاستهداف الخاطئ اذ تبرر الجهات المعنية الحجب بـ “إيصال الدعم لمستحقيه”، وهي كلمة حق يُراد بها باطل أحياناً.. فمعايير تحديد “المكتفي” مادية وهشة، لا تأخذ بعين الاعتبار نسبة التضخم وارتفاع إيجارات السكن وتكاليف الرعاية الصحية..غياب البديل إذا كان الحجب يهدف لتنقية القوائم، فأين هي شبكة الأمان الاجتماعي التي تضمن عدم انزلاق الطبقة المتوسطة إلى حافة الفقر؟
التناقض الصارخ بين شعار الحكومة “دعم المنتج الوطني” من جهة، لكنها بحجب الحصة أو تقليص مفرداتها، تدفع ملايين المواطنين نحو الأسواق التجارية المعتمدة كلياً على المستورد مما يعني استنزافاً أكبر للعملة الصعبة وضغطاً مضاعفاً على السوق السوداء للدولار.
بصراحة إن الأمن الغذائي ليس مجرد أرقام في جداول إكسل، بل هو صمام أمان السلم المجتمعي.. حجب الحصة عن فئات واسعة دون دراسة ميدانية دقيقة هو مغامرة في وقت لا يحتمل المغامرات.. وإصلاح البطاقة التموينية لا يمر عبر “المقص” بل عبر “الجودة” لأن المواطن ينتظر أن يرى طحيناً صالحاً وزيتاً متوفراً بانتظام لا أن يرى اسمه مشطوباً من قائمة “الاستحقاق” لأنه يمتلك راتباً بالكاد يكفيه ويكفي اولاده حتى منتصف الشهر..
يا سادة يا مسؤولين أصلحوا الفساد في العقود والمخازن أولاً قبل أن تبحثوا عن “توفير” بضعة دنانير من مائدة الفقراء !.


