النقد اللغوي

هيئة التحريرمنذ 45 دقيقةآخر تحديث :
النقد اللغوي

لا يخفى على أحد من المهتمين بالدراسات اللغوية عناية العرب بلغتهم وحرصهم الشديد على سلامتها، لمكانتها من حياتهم في مختلف مظاهرها، وما كتب التصحيح اللغوي التي تزخر بها المكتبة العربية إلا دليل على ذلك الحرص هذه الكتب التي عرفت في تاريخ البحث اللغوي بكتب “لحن العامة”، “ولحن الخاصة”. إنَّ الخروج عن فصيح اللغة في ماضي تاريخها كان محدوداً استطاع علماء اللغة الحريصون على سلامتها رصده، والوقوف عليه مما عدوه “لحناً”. غير أنَّ هذا اللحن، أو الانحراف عن جادة اللغة العربية السليمة في عصرنا قد شاع أمره، واشتد خطره، فضلاً عن غياب من يحرص على رصده، والتنبيه عليه لما زاد من خطره، وسعة انتشاره، إذا ما استثنينا إسهام بعض فضلاء العراق الذين كانت لهم إسهامات جليلة في هذا الجانب، كالأستاذ كمال إبراهيم في كتابه “أغلاط الكتاب”، والدكتور مصطفى جواد الذائع الصيت في النقد اللغوي، ولا سيما في كتابه “قل ولا تقل”، والدكتور نعمة رحيم العزاوي، وغيرهم من أهل اللغة الذين أفزعهم الخطر المحدق باللغة في هذا العصر. إننا مع وجود أمثال هؤلاء نجد ضعف حركة النقد اللغوي في هذا العصر، ونكاد لا نسمع لها صدى. لقد أغفل الكثير من نقادنا المعاصرين في نقدهم الآثار الأدبية المختلفة عنصر اللغة، فالناقد الأدبي اليوم حين يعرض لنقد أي عمل أدبي سواء أكان هذا العمل الأدبي قصيدة شعرية، أم قصة، أم أي لون أدبي آخر، ينصب جهده النقدي على عناصر النص بالنقد والتحليل، إلا عنصر اللغة الذي لولاه لما قرأنا أي نص أدبي، وهذه الحقيقة تشير إلى أنَّ بيئتنا اللغوية، قد رضيت عن واقعها، وقنطت من إصلاحه، وصار الخطأ اللغوي في عصرنا قدراً محتوماً لا راد له، ولا عاصم منه. لقد ضعف النقد اللغوي في عصرنا إلا على يد القلة من علماء اللغة، واصبحت اللغة في نقدنا الأدبي الحديث تمثل عنصراً ثانوياً من عناصر النقد الأدبي، وأصبح من النادر أنَّ نجد ناقداً يعرض لهذا العنصر المهم – اللغة – حين يعرض أي نقد أدبي، حتى يظن القارئ أنَّ لغة هذا العمل الأدبي في منجى من الخطأ اللغوي، أو الاستعمال اللغوي غير الصحيح، لذا كان هذا الصمت الملاحظ عند كثير من نقادنا المحدثين في إهمال جانب اللغة في نقدهم عاملاً من عوامل شيوع ألاخطاء الشائعة اليوم، وأفشوها في استعمالات المثقفين، والأدباء. إنَّ ازدراء عنصر اللغة وإهماله، يعكس مدى الاهمال الذي تعانيه اللغة العربية عند بعض الأدباء، والكتاب، والشباب منهم خاصة، وقد تولدت عند بعض هؤلاء عقيدة موهومة تقوم على إهمال جانب اللغة، وقد تجلى هذا الإهمال في ازدرائهم قواعد النحو، والابتعاد عن المعجم اللغوي، واستعمال الالفاظ في غير ما وضعت لها، وهجر المقاييس اللغوية التي سنتها الأمة للغة، وأصبحت من اللوازم، والأساس في استعمال اللغة التي لا بد منها في كل عمل أدبي يتحرى الإبداع، والقول الفصيح، وأصبح خرقه، والتجاوز عليها ظاهرة. ومما يسوغ للناقد المعاصر غض النظر عن أخطاء لغة تلك الأعمال الأدبية أنه يشعر بالاستحياء والحرج، إذا ما نبه الأديب على كلمة أخطأ في استعمالها دلالياً، أو صرفياً، وهذا لم يكن إقرار الناقد للخطأ اللغوي، وأيمانه بتجويز الناس خرق ناموس اللغة، وإنما أصبح يؤمن أنَّ كثيراً من المثقفين أصبحوا ينعتون الناقد الذي يتتبع سقطاتهم اللغوية بالرجعية، وعدم الحداثة، وتخلفه عن التيارات النقدية الحديثة، التي تولي المضمون أهمية، وأسبقية لكل قيمة في العمل الأدبي (ينظر: قضايا الشعر المعاصر، نازك الملائكة ط/2/ بغداد/1965: 290-291). إننا هنا لا نريد أن نغفر للناقد هذا الذنب الذي يرتكبه بحق اللغة العربية حين أهمل التنبيه على أخطاء المنشئين، والأدباء، وإنما أردنا أن نقف على حقيقة ازدراء أهل العصر حين ينبهون على ما يقعون فيه من أخطاء لغوية، لأنَّ الناقد الحريص على لغته وسلامتها لا تثني عزمه الأصوات التي تعلو بين الحين والحين محاولة إبعاد الناقد عن التعرض للغة النص المنقود، موجهة جهده نحو المضنون، والقضايا الفنية الأخرى. إنَّ بين الأدباء أنفسهم فئة تؤمن بأنَّ التنبيه على الأخطاء اللغوية مظاهر رجعية في ثقافة النقد، وقد تكون أول تهمة توجه إلى الناقد أنَّه غير مثقف في النقد الأدبي الحديث (قضايا الشعر المعاصر: 295). وقد ازداد هذا العبث الخطر على سلامة اللغة بغياب عنصر نقد اللغة، ولولا غياب الرقيب اللغوي على النص الأدبي الحديث، لما أباح الشاعر لنفسه التلاعب بالسنن اللغوية لمجرد أنَّ قافية تضايقه، أو تفعيلة تضغط عليه، أو حين لا تسعفه ثروته اللغوية للتعبير عن عاطفة ما، أو أي حالة نفسية أخرى، فيسوغ لنفسه الهبوط إلى الركة والابتذال حين يميل إلى اختيار اللفظة غير المناسبة، لتكون بديلاً عن اللفظة الفصيحة التي غابت عن ذهنه، أو أنَّ ثروته اللغوية السطحية لا تملك، أو لا تختزن اللفظة الفصيحة التي تعبر عن تلك الحالة، ولو أنَّ الشاعر تملك نفسه وتجلبب بجلباب الصبر، وراح يبحث عنها في كتب اللغة، ومعجماتها، لوجدها، بل لوجد ألفاظاً عديدة تعبر عما يخامر ذهنه من أفكار، وحينها يبعد عن لغة شعره ذلك الابتذال المخل باللغة، والأدب. إنَّ الأديب شاعراً أكان، أم ناثراً، لا يسوغ له أي ابداع حين يتمرد على الإطار اللغوي لعصره، فكل خروج عن قواعد اللغة المعتبرة ينقص من تعبيرية الأدب، ويخرج به بعيداً عن روح العصر، فالأديب اليوم حين يبيح لنفسه التلاعب بنواميس اللغة، فيخطئ، ويرتكب المحذورات كيفما شاء، يعتقد في نفسه أنَّه ابن اللغة المدلل، وهذه الصفة “المدلل” تمسكن فيها بعض الأدباء، لأنه وجد الساحة من حوله قد غاب عنها من يحاسبه، ويردع عبثه بمقاييس اللغة. إنَّ عمل الناقد اللغوي المفروض في أي نقد يعرض لعمل أدبي ما، يتركز جهده النقدي في جانبين: أما الجانب الأول فهو أن (يتناول لغة العمل الأدبي من جانب سلامتها، ومطابقتها للمعهود من قوانين اللغة وقواعدها)، والجانب الثاني يقوم على (فنيتها، وما أودعه الأديب فيها من أسرار، وقيم جمالية) (النقد اللغوي بين التطور والجمود، د. نعمة العزاوي – دار الحرية / 21:1984). إنَّ المعرفة اللغوية لا تكوّن عدة النقد المفروض توافرها عند الناقد، فالموهبة النقدية ذات الطابع المتمرس بدراسة الأساليب البليغة، والفصيحة نثرية، أو شعرية من روائع الأدب العربي قديمة، وحديثه، وهي مما يتمم ويكوّن لدى الناقد منهجاً نقدياً متكاملاً، يستطيع من خلاله الإلمام بكل الجوانب النقدية المطلوب الوصول إليها في العمل الأدبي المنقود. إنَّ الناقد من الذين يتحملون عبء سلامة اللغة، وإرشاد أبناء العصر نحو الجادة اللغوية الصحيحة، لأنه إذا أغض عن الأخطاء التي تفيح بها أسلات الأقلام أساء إلى رسالته، وإلى لغة قومه، فضلاً عن تشجيعه المنشئين، والمبتدئين منهم على التساهل في تعاملهم مع اللغة، وفي بناء ثقافتهم اللغوية، وبذلك يغريهم على نشر نتاجاتهم قبل أن تستكمل عدتهم اللغوية التي تعد شرطاً أساساً من شروط النشر، ولولا تسامح بعض النقاد المعاصرين عن أخطاء المنشئين لما كانت بعض الاعمال الأدبية الشعرية، والسردية، وغيرهما من ألوان الثقافة المعاصرة تغص بالأخطاء وتفيض بالمفسد من الصيغ، والتراكيب، فالناقد المعاصر مطالب بأن يجعل من اللغة في أي عمل نقدي يقدم عليه (قطب النقد الأول، ومداره الرئيس، كما كانت عند أسلافنا من النقاد، لأنها مادة الأدب، ووسيلته، ولا شيء يحدد منزلة الأديب ويعطيه سماته التي تميزه من غيره مثل اللغة، وطريقة استعمالها، والتعامل معها. ومن هنا كان لنا أن نقول إنَّ عمل الناقد الاول: هو البحث عن الشخصية في اللغة، أو التفرد في استخدامها) (النقد اللغوي عند العرب –  د. نعمة العزاوي /  بغداد / 425:1978).

عاجل !!