حين تحكي المدينة ذاكرتها بالألوان: لوحة سلمى العلاق / د. عقيل فائق السعود

هيئة التحرير17 يناير 2026آخر تحديث :
حين تحكي المدينة ذاكرتها بالألوان: لوحة سلمى العلاق / د. عقيل فائق السعود

سلمىلوحة سلمى العلاق حين تحكي المدينة ذاكرتها بالألوان، في زمن تتسارع فيه التغيرات الحضرية وتفقد المدن ملامحها التاريخية، تتحول اللوحة التشكيلية إلى مساحة لاستعادة الروح والذاكرة، وتحويل المكان من مجرد مشهد إلى نص حي يروي حكايات الإنسان والمكان معاً. هذه التجربة تقدمها الفنانة التشكيلية سلمى العلاق في أحد أعمالها الفنية، «حكاية مدينة»، حيث تتحول المدينة الشرقية في اللوحة من صورة ثابتة إلى سرد بصري متحرك يمزج بين الماضي والحاضر، ويعيد الاعتبار للذاكرة والثقافة في مواجهة التحولات المعاصرة. وحين تصبح المدينة ذاكرة مرسومة، ويغدو اللون وسيلة لاستعادة ما محاه الزمن، يتحول الفن إلى فعل سردي يعيد كتابة المكان بلغة بصرية مشبعة بالهوية والحنين، لتصبح اللوحة نافذة تطل على المدينة في أعمق لحظاتها وأكثرها حميمية.

تبرز تجربة سلمى العلاق بوصفها اشتغالاً واعياً على المدينة الشرقية باعتبارها وعاءً للذاكرة الجماعية ومجالاً لتقاطع الروحي باليومي والماضي بالحاضر. في لوحتها «حكاية مدينة» تتجاوز الفنانة مجرد التوثيق المعماري لتبني نصاً بصرياً مفتوحاً يستدعي الذاكرة ويمنحها شكلاً وحركة، بحيث يصبح المشهد أكثر من مجرد رؤية؛ إنه سرد حي يتيح للمشاهد الانغماس في تفاصيل المدينة والتفاعل مع حكاياتها المكتومة بين الجدران والزوايا القديمة.

تقدم اللوحة مشهداً بانورامياً متوازناً تتجاور فيه القبة الزرقاء، والأبواب المزخرفة، والنوافذ المقوسة، وأشجار النخيل، في مشهد يمنح إحساساً بالعمق والاتساع، ويجعل العين تتحرك بسلاسة بين تفاصيل المدينة، كأنها تتجول في أزقتها القديمة. هذا التوزيع المدروس للعناصر لا يقوم على منظور تقليدي، بل على إحساس بالمسافة والفضاء الداخلي، وكأن المشاهد يستعيد ذاكرة المكان ويتلمس تفاصيله، ويتحسس الحكايات التي تحملها الجدران عبر الزمن. وتحتل القبة الزرقاء، بوصفها نقطة ارتكاز بصرية وروحية، مركز التكوين، فيما تتوزع بقية العناصر حولها في انسجام يعكس حيوية المكان واستمرارية وجوده عبر الأجيال.download

 

تلعب الألوان دوراً محورياً في منح اللوحة عمقها التعبيري، حيث تعتمد سلمى العلاق على جدلية الأحمر والأزرق لإظهار التوازن بين الروحاني واليومي، بين السكون والحركة، وبين الحنين والحاضر. يضفي الأزرق على المشهد هدوءاً وصفاءً، ويحيل إلى البعد الروحي والثقافي للمكان، فيما يضخ الأحمر بأطيافه الدافئة حيوية وحركة، مؤكداً حضور الإنسان في المدينة وحياة الروتين اليومي. ولا يقتصر هذا التباين بين الدفء والبرودة على الجانب الجمالي، بل يتحول إلى لغة للتعبير عن تفاعل الإنسان مع مدينته وعن تواصل الماضي بالحاضر في لحظة بصرية واحدة، تجعل المشاهد يشعر بأن المدينة نفسها تتحدث إليه وتدعوه لاستعادة ذكرياته.

وتحمل العناصر المعمارية في اللوحة رمزية واضحة تتجاوز وظيفتها الشكلية، فالباب الأزرق يشكل عتبة مفتوحة على الذاكرة، تفصل بين الداخل والخارج، وبين الزمان الحاضر والماضي الممتد. أما النوافذ المقوسة، المستوحاة من العمارة البغدادية التقليدية، فتتحول إلى عيون صامتة تراقب الزمن وتحفظ الحكايات، فيما يشكل النخيل رمزاً للاستمرارية والخصوبة والتجذر في الأرض، مؤكداً الروابط العميقة بين الإنسان ومكانه. وبهذا، تصبح المدينة في اللوحة شخصية قائمة بذاتها، تعيش بين الماضي والحاضر، وتروي قصة الإنسان كما يروي المكان نفسه، لتغدو اللوحة تجربة شعورية تتجاوز الفضاء البصري إلى حساسية الذاكرة الإنسانية.

وتُوظف الفنانة الخطوط المنحنية والزخارف لإضفاء حركة داخل التكوين، فتغيب الزوايا الصارمة لصالح انسياب سلس يعكس دفء المدينة وألفة مساحاتها. وتأتي الزخارف المستمدة من التراث الشرقي موظفة بروح معاصرة، بعيدة عن التكرار أو التقليد، لتصبح جزءاً من السرد البصري وتضيف إيقاعاً داخلياً للعمل. بذلك، تتحقق لغة بصرية متجددة تجمع بين الأصالة والحداثة، بين التراث والفن المعاصر، وتجعل اللوحة تجربة حسية وفكرية متعددة الأبعاد.

«حكاية مدينة» ليست لوحة لتوثيق مكان بعينه، بل هي مدينة قابلة لأن تكون أي مدينة شرقية عاشت تحولات الزمن واحتفظت بذاكرة سكانها وجدرانها. وتفتح اللوحة المجال أمام المتلقي ليشارك في بناء المعنى، واستعادة مدينته الخاصة بما تحمله من صور وحنين وأسئلة، لتصبح تجربة المشاهدة رحلة شخصية وجمعية في آن واحد. وفي هذا السياق، تتجلى قوة العمل في قدرته على ترك النص البصري مفتوحاً على احتمالات متعددة، بما يمنح المتلقي حرية القراءة والتأمل، ويؤكد أهمية المدينة بوصفها حاضنة للذاكرة والهوية.

وتأتي هذه الرؤية البصرية المتشبعة بالحنين والذاكرة امتداداً لمسيرة فنية طويلة للفنانة المغتربة، نخلة العراق، سلمى العلاق، التي تخرجت من أكاديمية الفنون الجميلة في بغداد عام 1971، قبل أن تخوض تجربة تدريبية مهمة في ألمانيا عام 1974، أسهمت في توسيع أفقها الفني دون أن تقطع صلتها بجذورها الأولى.

فمنذ بداياتها ظل العراق حاضراً في أعمالها بوصفه صورة متخيلة ومكاناً مفقوداً تسكنه الذاكرة، وهو ما ينعكس بوضوح في لوحاتها التعبيرية التي يغلب عليها طابع الشوق والحنين. في أعمال مثل «شبابيك المحبة» و«ترنيمة لبغداد» و«حمام يؤذن للسلام» و«قباب ونخيل»، كما في عشرات الأعمال الأخرى، تستعيد العلاق ملامح الوطن عبر مفردات بصرية مألوفة كأشجار النخيل، ومآذن الجوامع وقبابها، والبيوت العراقية القديمة بساحاتها الواسعة، وأبوابها العتيقة، والشناشيل، وحتى الأزياء العراقية، لتتحول هذه العناصر إلى رموز دلالية تختزن الإحساس بالمكان والانتماء إليه.

ولا تنفصل تجربتها التشكيلية عن مسيرتها المهنية، إذ عملت مصممة في دار الأزياء العراقية بين عامي 1971 و1976، وأسهمت في الإشراف على المرسم الطلابي في الجامعة المستنصرية خلال الفترة من 1976 إلى 1982، في تجربة جمعت بين التعليم والممارسة الفنية. كما شاركت في العديد من المعارض الجماعية، وأقامت معارض فردية متعددة داخل العراق وخارجه، إلى جانب عضويتها في جمعية التشكيليين والفنانين العراقيين، ما يعكس ارتباطها المستمر بالحركة التشكيلية العراقية رغم تجربة الاغتراب.

ومن خلال «حكاية مدينة»، تؤكد سلمى العلاق حضورها كفنانة تمتلك حساً بصرياً عميقاً وقدرة على تحويل المكان إلى مادة سردية، واللوحة إلى مساحة للتأمل والحوار. فهي لا تحتفي بالعمارة أو التراث فحسب، بل تطرح أسئلة جوهرية حول المدينة والإنسان والذاكرة في زمن تتسارع فيه التغيرات، وتصبح فيه الملامح التاريخية عرضة للنسيان. وبهذا المعنى، تنتمي اللوحة إلى الفن بوصفه فعلاً إنسانياً وثقافياً يعيد الاعتبار للمكان شاهداً على الإنسان وحاملاً لحكايته عبر الزمن، ويؤكد أن المدينة ليست مجرد فضاء مادي، بل ذاكرة حيّة تتنفس من خلال الفن واللون.

عاجل !!