طرفا النزاع في السودان يتفقان على تأمين النفط دون اتفاق على هدنة

هيئة التحرير17 ديسمبر 2025آخر تحديث :
طرفا النزاع في السودان يتفقان على تأمين النفط دون اتفاق على هدنة

اتفاق بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع وجوبا على إسناد مهمة تأمين منشآت حقل هجليج النفطي إلى جيش جنوب السودان

تحولت الحرب التي اندلعت على خلفية الصراع على السلطة بين الجيش والدعم السريع خلال ما يقارب ثلاثة أعوام، إلى واحدة من أكثر النزاعات دموية في العالم

أعلن متحدث باسم حكومة جنوب السودان التوصل إلى اتفاق ثلاثي بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع والجيش الشعبي لتحرير السودان

يُعد حقل هجليج من أكبر الحقول النفطية في السودان، كما يشكل نقطة حيوية لاقتصاد جنوب السودان الذي يعتمد بشكل شبه كامل على تصدير نفطه عبر الأراضي السودانية

الخرطوم / النهار

أعاد الاتفاق الذي جرى التوصل إليه بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع وجوبا، والقاضي بإسناد مهمة تأمين منشآت حقل هجليج النفطي إلى جيش جنوب السودان، فتح باب التساؤلات حول أولويات أطراف الصراع في السودان، كاشفًا عن مفارقة صارخة في إدارة الحرب. ففي الوقت الذي عجز فيه الفرقاء عن إبداء أي مرونة لحماية المدنيين أو وقف نزيف الدم، ظهرت إرادة سياسية سريعة حين تعلّق الأمر بضمان تدفق النفط وحماية عائداته المالية. ويمثل هذا الترتيب الأمني، الذي جاء عقب سيطرة قوات الدعم السريع على الحقل النفطي الأسبوع الماضي.

وقد تحولت الحرب التي اندلعت على خلفية الصراع على السلطة بين الجيش والدعم السريع تحولت، خلال ما يقارب ثلاثة أعوام، إلى واحدة من أكثر النزاعات دموية في العالم. فقد سُجلت انتهاكات جسيمة بحق المدنيين شملت القتل الجماعي، والاعتقالات التعسفية، والتعذيب، والعنف الجنسي، إضافة إلى استخدام التجويع كسلاح حرب، ما دفع الأمم المتحدة إلى تصنيف الوضع في السودان كأسوأ أزمة إنسانية راهنة.

ورغم هذه المأساة، لم يتم التفاعل بالشكل المطلوب مع المبادرة الإنسانية التي طرحتها الولايات المتحدة ضمن إطار “الرباعية الدولية” في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي. غير أن المشهد تبدل فجأة عندما لامس الصراع أحد أهم شرايين الاقتصاد السوداني.

فقد أعلن متحدث باسم حكومة جنوب السودان التوصل إلى اتفاق ثلاثي بين الجيش السوداني، وقوات الدعم السريع، والجيش الشعبي لتحرير السودان، يقضي بانسحاب القوتين المتحاربتين من محيط حقل هجليج، وتولي قوات جنوب السودان مهمة تأمينه. وأوضح أن هذا التفاهم جاء عقب اتصالات أجراها الرئيس سلفاكير ميارديت مع قيادتي النزاع في الخرطوم، في مسعى لاحتواء المواجهات حول المنشآت النفطية.

ويُعد حقل هجليج من أكبر الحقول النفطية في السودان، كما يشكل نقطة حيوية لاقتصاد جنوب السودان، الذي يعتمد بشكل شبه كامل على تصدير نفطه عبر الأراضي السودانية. هذا العامل، بحسب محللين، يفسر سرعة التوافق بين خصمين فشلا في الاتفاق على حماية البشر، لكنهما نجحا في تحييد النفط عن نيران الحرب.

واعتبر القيادي في تحالف القوى المدنية الديمقراطية “صمود”، عمر الدقير، أن الاتفاق حول حماية المنشآت النفطية يبرهن على أن الإرادة السياسية متوفرة، لكنها تُستدعى فقط عندما تمس المصالح الاقتصادية. ودعا إلى توجيه هذه الإرادة نحو وقف الحرب وحماية أرواح السودانيين، مؤكدًا أن قيمة الإنسان يجب أن تتقدم على قيمة النفط.

وتتزامن هذه التطورات مع تصاعد الضغوط الدولية، إذ فرضت بريطانيا مؤخرًا عقوبات على عدد من قادة قوات الدعم السريع، متهمة إياهم بالتورط في جرائم قتل جماعي وعنف جنسي منظم. غير أن هذه الخطوات، على أهميتها، لم تُترجم حتى الآن إلى مسار سياسي يخفف معاناة المدنيين.

وميدانيًا، تتركز الاشتباكات العنيفة في ولايات إقليم كردفان، حيث تسبب القتال في موجات نزوح جديدة، وسط مخاوف من تكرار سيناريو دارفور. ومع استمرار الحرب، يدفع المدنيون الثمن الأكبر، في وقت يبدو فيه أن حماية النفط تحظى بإجماع أسرع من حماية الأرواح.

وأصدر قضاة المحكمة الجنائية الدولية حكما بالسجن 20 عاما على قائد بميليشيا الجنجويد لإدانته بارتكاب أعمال وحشية في إقليم دارفور بالسودان.

وأدين علي محمد علي عبدالرحمن، المعروف أيضا باسم علي كوشيب، في أكتوبر/تشرين الأول بما يصل إلى 27 تهمة تتعلق بجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، تشمل القتل والتعذيب وتدبير عمليات اغتصاب وفظائع أخرى ارتكبتها ميليشيا الجنجويد في دارفور قبل أكثر من 20 عاما.

ورفض القضاة حجج الدفاع بأن عبدالرحمن كانت سلطته محدودة، وعبروا عن تعاطفهم مع الضحايا. وقالت القاضية جوانا كورنر رئيسة المحكمة “لم يكتف كوشيب بإصدار أوامر أدت مباشرة إلى الجرائم (…) بل ارتكبها بنفسه أيضا”.

وأصدرت هيئة المحكمة حكما مشتركا بالسجن 20 عاما، مما يعني أن عبدالرحمن البالغ من العمر 76 عاما سيموت على الأرجح في السجن. وكان الادعاء قد طلب الحكم عليه بالمؤبد، ووصفه بأنه “قاتل باستخدام البلطة” بعد أن استخدم هذه الأداة من قبل في قتل شخصين.

وقال الدفاع إن كوشيب ضحية خطأ في تحديد الهوية، وإن أي حكم يتجاوز سبع سنوات سيعد بمثابة حكم بالسجن المؤبد بحكم الواقع نظرا لسنه.

ويسدل هذا الحكم الستار على أول محاكمة تتناول فيها المحكمة الجنائية الدولية صراع دارفور، الذي اندلع عام 2003 عندما حمل متمردون، معظمهم من غير العرب، السلاح ضد حكومة السودان، متهمين إياها بتهميش هذه المنطقة النائية في غرب البلاد.

 

وردا على ذلك، حشدت الحكومة السودانية آنذاك ميليشيات عربية تعرف باسم الجنجويد لقمع هذا التمرد، مما أدى إلى اندلاع أعمال عنف وصفتها الولايات المتحدة ومنظمات معنية بحقوق الإنسان بأنها ترقى إلى مستوى الإبادة الجماعية.

 

وأحال مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة القضية إلى المحكمة الجنائية الدولية في عام 2005. وأنشئت هذه الهيئة، ومقرها لاهاي، للنظر في أخطر الجرائم التي تعجز المحاكم المحلية عن التعامل معها.

 

واندلعت اشتباكات جديدة في دارفور وفي أنحاء السودان عام 2023 بين الجيش وقوات الدعم السريع وأدى القتال في الإقليم، وخاصة في مدينة الفاشر، إلى عمليات قتل بدوافع عرقية ونزوح جماعي.

وفرضت قوات الدعم السريع سيطرتها على حقل هجليج النفطي الاستراتيجي في ولاية جنوب كردفان بالسودان، ما يمثل مكسبا ميدانيا هاما من شأنه أن يوفر شريانا ماليا حيويا لهذه القوات، وفي المقابل، تضع هذه الخسارة الاستراتيجية فريق عبدالفتاح البرهان قائد الجيش رئيس مجلس السيادة الانتقالي في مأزق حاد، بالنظر إلى أنها ستؤدي إلى حرمان الحكومة من مصدر دخل رئيسي ومستقر، مما يفاقم متاعبها الاقتصادية ويزيد من الضغط على موقفها العسكري والسيادي.

 

ويُمكن هذا التطور قوات الدعم السريع من فرض حصار اقتصادي خانق على الحكومة والجيش، مما يزيد من صعوبة تمويل الدولة، خاصة في ظل الأزمات الاقتصادية المتفاقمة والانسحاب من مناطق إنتاجية أخرى.

 

وتُعد السيطرة على “هجليج” نصرًا ميدانيًا ومعنويًا كبيرًا للدعم السريع، يُضاف إلى سيطرتها على الفاشر ومعظم دارفور، مما يعزز صورتها كقوة مسيطرة على الموارد الحيوية ويزيد من شرعية وجودها على الأرض.

 

وتعني خسارة الحقل النفطي فقدان الحكومة والجيش لورقة مالية قوية، مما يضعف قدرتهما على دفع الرواتب وتوفير الخدمات الأساسية للمناطق الخاضعة لسيطرتهما، ويهدد بإفلاس الدولة.

 

ويُنظر إلى فقدان موقع إستراتيجي بهذه الأهمية على أنه إخفاق عسكري كبير للجيش، مما يثير تساؤلات حول قدرته على حماية الأصول الحيوية للدولة، بينما يتوقع أن يؤدي الانسحاب، حتى لو كان لتجنيب الحقل التدمير، إلى إضعاف الروح المعنوية للقوات وتنامي حالة الإحباط الشعبي تجاه قيادة عبدالفتاح البرهان.

 

وتقع منطقة هجليج على الحدود الجنوبية للسودان، وتوجد بها منشأة المعالجة الرئيسية لنفط جنوب السودان الذي يشكل مصدرا رئيسيا لإيرادات الحكومة.

 

وقالت مصادر حكومية لرويترز إن القوات الحكومية والعاملين في الحقل النفطي انسحبوا من المنطقة الأحد لتجنب اشتباكات كان من شأنها أن تلحق الضرر بالمنشآت النفطية.

 

ويتم نقل النفط عبر خط أنابيب شركة النيل الكبرى للبترول إلى بورتسودان على البحر الأحمر للتصدير، مما يجعل موقع هجليج حيويا لكل من عائدات الخرطوم من العملة الصعبة وكذلك لجنوب السودان الذي لا يملك أي منفذ بحري ويعتمد بشكل شبه كامل على خطوط الأنابيب التي تمر عبر السودان.

 

ويتظر أن تزيد السيطرة على الموارد النفطية من قبل الدعم السريع الضغط الدولي على الحكومة لإنهاء الصراع والتوصل إلى تسوية، في ظل مخاوف من انهيار الدولة وتحويل الموارد إلى تمويل الحرب، وربما يؤدي إلى تجميد بعض المساعدات أو فرض عقوبات إضافية على السودان.

 

وغالبا ما تتسبب الاشتباكات والهجمات في مناطق الحقول النفطية (كما حدث سابقًا عبر الطائرات المسيرة) في تعطيل الإنتاج وإغلاق المنشآت، مما يفاقم الأزمة الإنسانية الشاملة في السودان بسبب نقص الوقود والطاقة الضرورية لتشغيل المستشفيات والمرافق الأساسية.

 

ويمكن القول إن سيطرة الدعم السريع على هجليج تعد تحولاً في طبيعة الصراع من حرب للسيطرة على المدن إلى صراع على الموارد الاقتصادية، ما يمنح هذه القوات أداة تفاوضية وتمويلية هامة، ويُدخل الجيش ومجلس السيادة في مأزق اقتصادي وعسكري غير مسبوق.

 

وأدت الحرب التي اندلعت في أبريل/نيسان 2023 بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع إلى توقف متكرر لتدفقات نفط جنوب السودان، والتي كانت قبل النزاع تتراوح في المتوسط بين 100 ألف و150 ألف برميل يوميا للتصدير.

وتتجه إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى فرض عقوبات إضافية على أطراف الصراع في السودان، بعد فشل الوساطة التي تقودها واشنطن منذ أشهر، بينما اتهم قيادي في حزب المؤتمر، قائد الجيش عبدالفتاح البرهان بالاعتماد على عناصر جماعة الإخوان في معركته الحالية، رغم إنكاره المتكرر لوجودهم داخل المؤسسة العسكرية.

 

وتشير التوقعات إلى أن العقوبات الجديدة قد تضاف إلى الإجراءات الحالية التي طالت قيادات عسكرية وشركات مرتبطة بالنزاع، مع احتمال تمديد حظر السلاح على مناطق دارفور.

 

ويحاول مبعوث الرئيس الأميركي دونالد ترامب مسعد بولس، إقناع الأطراف المتحاربة بقبول هدنة شاملة، لكن المساعي لم تصل إلى اتفاق نهائي حتى الآن، مع إصرار قائد الجيش عبدالفتاح البرهان على موقفه الرافض للدخول في حوار مع قوات الدعم السريع.

 

ويأتي ذلك بينما تستعد النرويج لاحتضان اجتماعات تهدف لصياغة خطوات انتقال سياسي يعيد البلاد إلى الحكم المدني، في وقت تتفاقم فيه الأزمة الإنسانية بأشكال غير مسبوقة.

 

وقال ترامب الأسبوع الماضي إن الإدارة الأميركية بدأت العمل على إنهاء النزاع السوداني، بناء على طلب من ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان.

 

وخلال اجتماع في البيت الأبيض، أشار وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو إلى أن ترامب “يمتلك القدرة على جمع الأطراف السودانية على طاولة التفاوض”، فيما وصف دبلوماسي عربي التحرك الأميركي بأنه يمنح دفعة قوية لمسار السلام.

 

وذكرت صحيفة الغارديان، أن الأطراف المتصارعة أخطرت بأن العقوبات الأميركية قد تشمل جهات إضافية إذا استمرت عرقلة الهدنة. بينما تستعد أوسلو لدعوة ممثلين من المجتمع المدني السوداني وعدد من القوى السياسية لبلورة مبادئ انتقال ديمقراطي.

 

وبالتزامن مع هذه المساعي يتواصل القتال وسقوط الضحايا المدنيين، فقد حذر المفوض السامي لحقوق الإنسان من عمليات قتل وانتهاكات واسعة في كردفان، حيث وثقت الأمم المتحدة خلال الفترة ما بعد 25 أكتوبر/تشرين الأول سقوط ما لا يقل عن 269 مدنيًا نتيجة القصف والغارات الجوية والإعدامات الميدانية.

 

واقترحت مجموعة “الرباعية” التي تضم الولايات المتحدة والسعودية والإمارات ومصر في سبتمبر/أيلول الماضي هدنة إنسانية لمدة ثلاثة أشهر تتبعها عملية سياسية تستمر تسعة أشهر وتنتهي بتسليم السلطة لحكومة مدنية، إلا أن التطبيق واجه عراقيل: الدعم السريع أعلن قبولا أوليا لكنه واصل القتال، بينما رفض الجيش المقترح بشدة معتبراً أنه يستهدف تفكيك المؤسسة العسكرية.

 

ويطرح خبراء احتمال أن يؤدي توجه ترامب لتصنيف جماعة الإخوان المسلمين منظمة إرهابية أجنبية إلى إضعاف جانب من نفوذ المؤسسة العسكرية المرتبطة بالحركة، كما تشير تقارير متداولة إلى أن الجيش يبحث تأجير مرفأ بحري لروسيا وإلى منع فرق أممية من فحص ادعاءات استخدام أسلحة محظورة.

 

وبرزت تصريحات لافتة لنائب رئيس حزب المؤتمر السوداني والقيادي بتحالف “صمود”، خالد عمر يوسف، الذي اتهم البرهان بالاعتماد على عناصر جماعة الإخوان في معركته الحالية، رغم إنكاره المتكرر لوجودهم داخل المؤسسة العسكرية.

 

وقال يوسف، إن البرهان يعتمد على عناصر الإخوان في حربه ضد قوات الدعم السريع، لكنه ينكر وجودهم بسبب إدراكه لحجم الرفض الداخلي والخارجي لهم. وأوضح أن قائد الجيش يسعى للبقاء في الحكم عبر إعادة إنتاج النظام السابق، رغم أن الجماعة سقطت بثورة شعبية في ديسمبر/كانون الأول 2018، وهو ما يجعل إنكاره لوجودهم محاولة لتخفيف الضغوط الدولية والإقليمية.

 

وتابع، أن البرهان يحرص على إنكار حضورهم في كل المحافل، في محاولة لتسويق الجيش كجهاز غير مؤدلج يمكن التعامل معه دولياً، رغم أن الواقع يعكس عكس ذلك.

 

ويعتبر وجود الإخوان داخل الجيش والحكومة في بورتسودان عامل رئيسي في عرقلة جهود السلام. حيث تؤكد القوى المدنية أن عناصر التنظيم تعمل على تعطيل الاتفاقيات الدولية والإقليمية، وأن سيطرتهم على وزارات مثل الإعلام والاقتصاد والمالية تساهم في إطالة أمد الحرب وتعقيد أي مسار نحو هدنة إنسانية أو تسوية سياسية. وهذه المعطيات تجعل من نفوذ الإخوان داخل مؤسسات الدولة أحد أبرز الملفات التي تزيد الأزمة السودانية تعقيداً وتضع المجتمع الدولي أمام تحديات إضافية.

عاجل !!