ملحمة شاهد المعنى ..تراتيل احزان الدهور / قراءة / طالب كريم

هيئة التحرير19 نوفمبر 2025آخر تحديث :
ملحمة شاهد المعنى ..تراتيل احزان الدهور / قراءة / طالب كريم

لم يك شوقي كريم حسن حين كتب شاهد المعنى، يبحث عن بطولة تُضاف لسيرته، ولا عن مسرحية تُصفق لها الصالات. بل كان يتقدم نحو الطفِّ كما لو أنه يقترب من قبر أمه. بخطى خاشعة، وقلب يرتجف. لم يرد أن يسرد المذبحة كما تُروى على المنابر، بل أن يُدخلنا إلى وجدان من لم يُقاتل، ومع ذلك كان قلب المعركة ونبضها السري.

جلس شوقي في عزلته، لا يجاوره سوى صمتُ الليل وبعض بقايا الحلم. لا مصادر، لا مراجع، بل حدس الكاتب وهو يعيد تشكيل المجزرة عبر قلب الإمام زين العابدين. كان يدرك أن البطولة في الملحمة ليست صليل السيوف، بل خفقة القلب، ودمعة لم تجد خدًا تنحدر عليه.اختار البدأ من أضعف النقاط… من المرض. من الإمام الذي لم يك قادرًا على الوقوف، لكنه ظلّ شامخًا مثل جبل، يتلقى أخبار الطفّ كمن يُجلد على مرأى من السماء. لم يك أمام شوقي إلا أن يصغي لصمت f3b4e5b2 d77f 441c a55e 8211760a9d68الإمام، ذلك الصمت الثقيل الذي لا يُروى، بل يُرتَجف له.وفي كل جملة كتبها، كان يحفر في قلبه، لا في الورق. لم تك كتابة، بل نزيفًا. استعان بالبنائية الإغريقية لا عن استعراض معرفي، بل لأنه أدرك أن الطف فاجعة كونية، لا تُحتمل إلا بصرخة التراجيديا، حيث الآلهة تتفرج، والبشر يُذبحون، والمسرح يتحول إلى مذبح مفتوح.كتب  فاطمة بنت الحسن، لا زوجة تبكي، بل امرأة لا تعرف كيف تتلقى الوجع. كتب محمد الباقر طفل لا يفهم الموت، لكنه يحمله. كتب الإمام المريض حائط تتكئ عليه الروح قبل انهيارها. لم يُضف شيئًا إلى الطف، بل نزع الغبار عن أصوات خافتة طمرها صهيل المعركة.ولم يك وحده حين كتب… كانت الأرواح تكتب معه. الحسين ينظر، و العباس يعبر فوق الجملة، و زينب تملي عليه الصبر من بين الشقوق.  يعرف أنه لا يكتب نصًا للمسرح، بل يخطّ صك ألمٍ طويل لن يُسدّد.شاهد المعنى، لم تك مجرّد ملحمة، بل محاولة لفهم كيف يكتب الإنسان وهو يختنق. كيف يترجم النكبة دون أن يخونها. كيف يجعل من المسرح محرابًا، ومن اللغة قميصًا مضرّجًا بدم الحقيقة.و شوقي، حين كتب النهاية، يعرف تمامًا… أنه لن يكتب بعدها شيئًا يشبهها. لأنك إذا كتبت الطف مرة، فإنك تبقى هناك… إلى الأبد. كان عليّ بن الحسين، ذلك الغصن الغض من شجرة النبوة، لا يزال محاطًا بحرارة المرض، حين بدأ صوت السيوف يقترب من خيامهم، كأن كل ضربة على الحديد تدقُّ في قلبه، لا على صدر خصمٍ. جسده الهزيل لا يقوى على النهوض، وحرقة قلبه تشتعل ببطء النيران التي أُضرمت في الخيام قبل اشتعالها بساعات. وحيدًا بين الركام، مستندًا إلى صمتٍ كثيف، ينفث وجعه بصمت الأنبياء، ويبتلع انكساراته كما تبتلع الأرض دماء أحبته. فاطمة، زوجته، ابنة الحسن،  تذرعُ أطراف الخيمة بعينين حائرتين لا تعرف كيف تمسك بهذا الوجع الذي ينمو كفطر أسود على جدران اللحظة. امرأة وطفل ورجل لا يقدر على الوقوف، هكذا كانت الصورة. لا انتصار، لا دمعة تسيل في موضعها، لا صوت يسمّى نحيباً. فقط جمرات الحكاية، تبدأ ترتجف داخل النبض.

محمد، الطفل، يحبو بين الحيرة والخوف، لا يفهم من العالم سوى أنّ أصواتًا غريبة بدأت تملأ الفضاء، وأمّه تبكي دون أن تفهم، وأباه ممدّد كما لو أنّ القيامة تقوم في داخله وحده. لم يك في الثالثة من عمره، لكنه  يحمل في عينيه شعلة من رؤيا لم يتعلّمها من كتاب، بل من دمه الذي تشكل من أوجاع الأولياء.

وحدها فاطمة ك تسمع من عليّ أسئلة لا تُطرح، لم يتحدث كثيرًا، بل يغمض عينيه كمن يرى، لا كمن ينام. عيونه المطفأة  ترسم، في داخله، كل التفاصيل: لحظة خروج الحسين، صدى صوت زينب، صرخة عبد الله الرضيع، وقع حوافر الخيل، صهيل الخيانة، وانطفاء الرؤوس تحت الشمس.لكن من أخبره بما يحدث؟ هل كان محمد الصغير يهمس له؟ كيف يمكن لطفل أن يحمل هذا الكم من الألم ويضعه في أذن أبيه دون أن ينكسر؟ كيف يقول له، “سيدي، لقد قضى جدي العباس”، دون أن تسقط الدموع في حضنه؟ كيف كان ينطق باسم الحسين حين سقط، دون أن يتلعثم؟ ذلك الطفل كان مخلوقًا من حروف أخرى، ليست هذه التي نعرفها.ومع كل خبرٍ، كانت عضلة في وجه عليّ ترتجف. لم يك يصرخ.و ينهار. كان يتألم بصمت، لأن أنين الأئمة لا يُسمع، بل يُشمّ في الهواء، في المدى، في خفقان قلب عاشوراء حين تصمت الزنود عن الرفع. فاطمة تقف مثل تمثال قديم نُحت من الخوف، لا تعرف هل تُربت على كتف عليّ، أم تضم ابنها، أم تلطم وجهها. نساء آل البيت في تلك اللحظة لم يكنّ مجرد أمهات، ولا مجرد زوجات. كنَّ شهيدات بلا قبور، يحملن في أفئدتهنّ جراحًا لا تندمل، لأنّ من ماتوا لم يمت منهم أحد حقًا.الليلة انفرط القمر على رؤوسهم، الليل ليس ليلًا، بل كابوس بلا فجر. خيام تحترق، صغار يركضون، أسماء تتساقط، والهواء محشوّ بالدم، كأنّ الطفّ أعاد خلق الدنيا ليجعل من الحسين مسيحًا آخر، لكن بلا صليب، بل على الرمل، بلا مسمار، بل بسيوف العشيرة.عليّ، نبيّ الحزن الأخير، لم يكن يرى الطفّ فحسب، بل رأى كل ما سيأتي بعده. رأى السلاسل تُسحب في الكوفة، رأى رؤوسًا تُرفع، ورؤوسًا تُسكت، وشعارات تُباع، ورجالًا يتاجرون بدم أبيه، وولائم تُقام باسم الشهداء، بينما الأحياء من أهله يُركلون في الساحات. كل ذلك يتكثف في روحه، لذلك بقي صامتًا، لأن الكلام حينها خيانة للموقف.وفي داخل الخيمة، طفل صغير اسمه محمد، أخذ يتمتم بآية لا يعرف كيف تعلمها: “وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْوَاتًا”، و الأب، عليّ، يغلق عينيه بقوة، ليخفي دمعة هربت من بين أجفانه، وكأنها الخاتمة الأخيرة لهذا الوجع المقدّس، الذي لا يُبكى عليه، بل يُورّث. الدمعة التي فرت من جفن عليّ، لم تكن كسائر الدموع، كانت رسولا، خاتما، توقيعا على شهادة الوجع التي سُطّرت في كربلاء بالحبر الأحمر. لم يكن بكاءً، بل إقرارًا بأن الإنسان قد بلغ أقصى ما يمكنه تحمّله من الألم، وأن الصمت هو اللغة الوحيدة الباقية حين تصبح الكلمات عاراً على جراح لا تنطق.كان في وجه فاطمة، وهي تنظر إلى زوجها، سؤال يتيم: لماذا يحدث كل هذا؟ كانت تعرف الجواب، لكن العقل حين تمتلئ عروقه بالدم، يعود ليطرح أسئلة البدء من جديد، كأنها خلقت الآن فقط، فوق رماد طف. هي ليست امرأة عادية، ولا عروسًا غرّة، بل صنو زينب، شقيقة الطفولة النازفة، بنت الحسن الشهيد، وحفيدة عليّ الذي قال: “لو كان الفقر رجلاً لقتلته”. لكن اليوم، لم يكن الفقر رجلاً، بل كان الظلم، والخيانة، والانكسار. وكلها رجال يركضون في ساحات كربلاء، يطعنون ويصرخون ويبيعون دم الحسين بثمن بخس، في بورصة السلطة والعبيد.الطفل الباقر، في زاوية الخيمة، جلس يحتضن نفسه، يراقب بعينيه ما لا يستطيع عقله الصغير فهمه. لكن قلبه، ذلك الذي سيتّسع في ما بعد لعصرين من الفقه والحكمة، بدأ منذ الآن يحفظ التفاصيل كأنها نصٌ إلهي، لا يفهم الحرب، لكنه يفهم أن يده الصغيرة  تمسك بيد أبيه، وتضغط عليها حين يخبره: “جدي الحسين وقع.” أية يد تلك، وأي عمر، وأي فجرٍ هذا الذي يُولد من عمق القبر؟!! خارج الخيمة، الحطب يُعدّ للنار، وليس لإعداد الخبز، بل لحرق الكرامة. والخيول تتجه نحو الرؤوس لا الركاب. كلما سقط رجل من رجال الحسين، كانت الروح في عليّ تضعف، لكنها لا تنهار. لأن الإمام لا ينهار، بل يتمزق بصمت الحسين، وحده في الميدان،  يزرع الأرض بآيات من كبرياء، وكلما صرخ “أما من ناصرٍ؟” كانت الأكوان تصمت، لأنّ الجواب لم يكن بين البشر.  الجواب عند الله، حيث تُسكب الدماء شفعًا، وتُرفع الرؤوس قربانًا لليقين.وعليّ، لا يرى المشهد، لكنه يسمعه. كل نصل، كل شهقة، كل ارتطام، كل رجفة في صوته،  كافية لأن تفجّر داخله نهرًا من صخر. هو لم يك مريضًا فقط، بل  محمّلاً بتركة النبوة كلها. النبوة حين تُهان. النبوة حين تُنزع عمامتها وتُداس. النبوة حين تصبح خيمة تحترق وطفلاً يتيمًا وامرأة تهيم على وجهها في الدروب.وفي ذلك المساء، حين غابت الشمس، لم يك الغروب كما اعتدنا رؤيته، بل كان جدارًا من دم، يتكسر عليه ضوء السماء.  كل خيوط الغروب تشبه شال زينب وهي تودع جسد أخيها. وكان عليّ يعلم، دون أن يُخبره أحد، أن الحسين قد قضى، وأن الزمن من الآن فصاعدًا، لن يُقاس بالأيام، بل بالدموع.صمتت الخيمة. لا بكاء، لا صوت. فقط أنين محبوس، وطفل يغفو في حجر أمّه دون أن يعرف أنه نام في ليلة  القمر فيها شاهداً على أقدس مذبحة عرفها التاريخ.عليّ لم ينهض. لم يصرخ. لكنه كتب أولى سطور ما بعد الطف. كتبها بجسده، بروحه، بصمته الثقيل، كأنّه يقول: “سيأتي زمنٌ تُصبح فيه المأساة وسامًا يُعلّق على صدور الكذابين، أما نحن فسنظل نحملها ، صليب، لا للفخر، بل للنجاة من السقوط في نسيان الشهداء.في تلك الليلة، لم ينم أحد. لا في الأرض، ولا في السماء. كل شيء  يئن، حتى النجوم بدت معلّقة في السماء مثل عيون مذهولة لا تقدر أن تطرف. الهواء نفسه تغيّر، صار أثقل، مشبعًا برائحة الدم والخذلان، لا يشبه هواء كربلاء قبل شروق السيوف. حتى التراب صار يشهق، كأنّه ابتلع من الأرواح ما فاق احتماله. عليّ بن الحسين ممدداً، لا يقوى على الحراك، لكنه  أكثر حضوراً بحضوره الروحي، الذي بدأ يتكوّن ويتصلّب في عصب الرسالة.  لا يحتاج لأن يرى؛ فكل ومضة في قلبه  ترسم مشهدًا، وكل تنهيدة من زينب  تصوغ له ما لم تروه العيون. يرى، في الداخل، أباه الحسين يقف وحده، محاطًا بالغياب، يلوّح بيده الأخيرة مودّعًا من تبقّى، حاملاً صمته وفجيعته وسيفه، كما يحمل الشهيد عقيدته في آخر زفير. كان عليّ يسمع صوت الوداع في نبضه، يعرف أن الرأس الشريف سيُرفع، وأن الدم لن يُمحى، لكنه  يعضّ على شفته السفلى كي لا يصرخ… فالصراخ الآن خيانة، والمقام مقام صمتٍ يعرف أن خلفه ثورة طويلة.أما فاطمة، فقد جلست عند قدميه، لا تبكي، بل تنظر إليه  كمن ينظر إلى ظلّ وطنٍ يُحرق، وتفكر، من أين تأتي بالقوة؟ من أي جرح تقتطع عزاءً؟ كيف تخبر محمد الصغير أن اسمه سيكون حارس التاريخ، وأنه لم يُخلق ليعيش طفولة، بل ليكون شاهدًا على عصرٍ يتقيّأ القداسة؟ تُرى، أي أمّ كانت؟ وأي أنثى؟ وكيف حافظت على صوتها من الانكسار؟  تتلمّس ملامح وجه عليّ بيدين مرتجفتين، تتمنى أن تقدر على نزع الوجع منه، لكنّ يديها  صغيرتين أمام جبل الكارثة. و هو، في كل مرة يفتح عينيه عليها، يشكر الله بصمت لأنها ما زالت تتنفس، لأن النار لم تأكلها بعد. الخيام بدأت تذوب في نار الغزاة، الأطفال يصرخون، والسماء، لأول مرة منذ الخليقة، تلوّن وجهها بالأحمر القاني، لا من الغروب، بل من دمع الله. ومن هناك، من داخل الخيمة التي ظلّت واقفة كما تقف قباب القلوب في وجه العاصفة، نبتت بذرُة الصبر، بذرُة الباقر، الذي لم يك يرى إلا نصف الصورة، لكنه يحمل في داخله كامل الحكاية.في تلك الساعات التي تلت الذبح العظيم، لم يك أحد يعرف كيف ظلّ عليّ حيًّا. الجسد منهار، العين محترقة، القلب مفطور، لكنه بقي. ليس لأنه لم يُقتل، بل لأنه لم يُمنح شرف السقوط في المعركة. لقد اختارته السماء ليحمل وجعها، لا سيفها. ليصبح نبيًّا للدم، وشاهدًا على الخيانة، وأبًا للثأر العظيم الذي لن يُرفع بحدّ السيوف، بل بحدّ الفهم، وبألم المعرفة.في الصباح، حين استفاق الرمل من سكرته، لم يجد الحسين، لكنّه وجد وصاياه محفورة في العيون الباقية. وجد في زينب صوتًا يقول لما تبقّى من الحياة: نحن لم نُهزم. لم ننتصر بالعدد، لكننا كشفنا زيف العالم. نحن بقينا لنشهد، لا لننتقم.وعليّ،  يُسحب مع السبايا، لم يك يرى في نفسه مهانة. بل  يمشي في موكبٍ يحوّل وجع كربلاء إلى كتاب مفتوح، يقرأه الفقهاء والعبّاد، ويفتّش فيه الظالمون عن خلاص لن يجدوه. لأنه وحده، عليّ بن الحسين، يحمل النسخة الأصلية من الألم، مختومة بختم الدم، موقّعة باسم الحسين. تلك هي ملحمة (شاهد المعنى)التي انتجها عقل درامي استنطق كل شيء حتى الهواء،،ليقدم قراءة غير مسبوقة لزمن ظل مسكوت عنه وكأنه لا يعني شيئاً!!.

 

عاجل !!