النقد بوصفه ممارسة معرفية… حين يتحوّل التلقي إلى فعل تفكير / عباسية مدوني

هيئة التحرير18 نوفمبر 2025آخر تحديث :
النقد بوصفه ممارسة معرفية… حين يتحوّل التلقي إلى فعل تفكير / عباسية مدوني

لم يعد النقد، في بنيته المعاصرة، مجرّد تقنية لإصدار الأحكام أو الكشف عن اختلالات النصوص، بل أصبح فضاءً معرفيًا يُعاد فيه بناء المعنى، وتُختبر خلاله حدود الخطاب الجمالي. فالنقد كفعلٍ فلسفي يتجاوز سطح الكتابة نحو طبقاتها العميقة، حيث يسكن اللامفكّر فيه، ويتوارى المعنى خلف بنيات لغوية وثقافية تحتاج إلى قارئ يمتلك البصيرة قبل البصر. إن جوهر النقد البنّاء لا يكمن في تزيين النصوص أو تبريرها، بل في مساءلتها ومقاربتها بمنهج يسمح بالكشف عن آليات اشتغالها، وعن القيم المعرفية والجمالية التي تستبطنها. فالنقد البنّاء ليس “لطافة” بل هو جرأة معرفية تصدر عن وعي وتكوين صلب، وتُمارس داخل حدود الأخلاق المهنية التي تمنح الناقد مسؤوليته الرمزية تجاه الإبداع والمجتمع. أما الناقد المحترف، فهو ليس قارئًا عاديًا، ولا جامعيًا مقيّدًا بالنصوص الجاهزة، بل هو ذات مفكرة تستند إلى رصيد ثقافي متشعّب، وقدرة على الربط بين الفلسفة، والسيميائيات، والأنثروبولوجيا، وجماليات التلقي. إنه قارئ يشتغل على النص بما يشبه عمل الجيولوجي الذي يحفر طبقة بعد أخرى بحثًا عن طبقات الرسوبيات الدلالية. ولذلك فالنقد الحقيقي هو تفكيك لا يهدف إلى التشويه، وتحليل لا يسعى إلى الهيمنة، وتأويل يتجاوز المرئي نحو المسكوت عنه. ويمتلك الناقد المحترف قدرة على تحييد الذات دون قتلها؛ فهو يعي أن الموضوعية ليست غيابًا للذات بل حضورًا منضبطًا لها. فالناقد لا يلغِي انطباعاته الجمالية، لكنه يضعها ضمن بنيةٍ معرفية تقود الحكم ولا تنفلت به. إنه يوازن بين الحدس والتحليل، بين الذائقة الفردية والمنهج العلمي، وبين حيوية التلقي ودقّة الإجراء النقدي.ويكتسب النقد قيمته العميقة حين يتحوّل إلى حوار مع النص لا إلى محاكمة له؛ حوار يكشف ما يفتحه النص من احتمالات، وما يقترحه من رؤى للعالم. فالنقد البنّاء هو مشروع للمعنى، وإعادة كتابة للنص من الداخل، من خلال مساءلته وفتح منافذ تأويلية جديدة تُثري أفق القراءة. وبذلك يصبح الناقد شريكًا في إنتاج المعرفة الجمالية، لا متلقيًا متعاليًا أو سلطة تقمع الإبداع.إن عمق الفعل النقدي يتطلب من الناقد أن يظلّ في حالة تعلم دائم، لأن الخطابات الثقافية متحوّلة، ولأن الإبداع نفسه يبتكر أدوات قراءة جديدة. ولذلك فالناقد المحترف ليس منتهِيًا بل في طور التكوّن دائمًا؛ يتغذّى من الحقول المعرفية المتقاطعة، وينفتح على المدارس النقدية القديمة والحديثة، دون أن يقف عند تخومها.وهكذا، يصبح النقد ممارسة تُعيد تشكيل الوعي الجمعي، وتُسهم في بناء ذائقة جمالية رصينة. فهو ليس رفاهًا ثقافيًا بل ضرورة في مجتمع يسعى لفهم ذاته عبر نصوصه وخطاباته، ولتمكين الإبداع من البقاء حيًا وفاعلًا في التحولات الجمالية والإنسانية الكبرى.

إعلامية وناقدة جزائرية

عاجل !!