هل انطلقت الموجة الثانية من الانتشار النووي؟

هيئة التحرير10 ديسمبر 2025آخر تحديث :
هل انطلقت الموجة الثانية من الانتشار النووي؟

العامل الأكثر تأثيرا في تآكل نظام ما بعد الحرب خلال الأعوام الـ11 الماضية هو السلوك الروسي

راقب سياسيون وإستراتيجيون من قوى انتقامية أخرى مسار الهجوم الروسي وقاموا بتقييم ردود فعل الدول الأخرى والمنظمات الدولية

الحل النموذجي للمعضلة الأمنية للقوى الأصغر هو الانضمام إلى تحالفات دفاعية ومن الأفضل أن يشمل التحالف دولة واحدة على الأقل مسلحة نوويا

على النقيض من جورجيا وأوكرانيا نجحت فنلندا في بدء عملية انضمام إلى حلف الناتو في عام 2022 والتي توجت بانضمامها رسميا إلى الحلف في عام 2023

 

وكالات / النهار

تقوض الطموحات التوسعية لأقوى 3 دول في العالم –الصين والولايات المتحدة وروسيا– النظام العالمي الحالي.ومنذ تأسيسها، أبدت جمهورية الصين الشعبية اهتماما بتايوان، وربما تكون بكين الآن على وشك محاولة غزو الجزيرة. وبصورة أقل خطورة، أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب بعد تولي منصبه، في يناير/كانون الثاني عن اعتزامه ضم كندا وغرينلاند إلى الولايات المتحدة.

ويقول المحلل السياسي الألماني أندرياس أوملاند -المحلل في مركز ستوكهولم لدراسات أوروبا الشرقية، التابع للمعهد السويدي للشؤون الدولية، في تقرير نشرته مجلة “ناشونال إنتريست” الأميركية- إن العامل الأكثر تأثيرا في تآكل نظام ما بعد الحرب خلال الأعوام الـ11 الماضية هو السلوك الروسي.

فمنذ عام 2014، شنت موسكو حملة للاستيلاء على الأراضي، قبل أن تدخل في حرب مع أوكرانيا منذ عام 2022. وبصفتها جمهورية سوفياتية سابقة، كانت أوكرانيا عضوا مؤسسا للأمم المتحدة عام 1945. وكانت دولة لا تمتلك أسلحة نووية بموجب معاهدة حظر الانتشار النووي منذ عام 1996.

وعلى مدى أكثر من 3 أعوام، راقب سياسيون وإستراتيجيون من قوى انتقامية أخرى مسار الهجوم الروسي وقاموا بتقييم ردود فعل الدول الأخرى والمنظمات الدولية.

التعليم الصعب

وتتعلم الدول الأضعف نسبيا من تجربة أوكرانيا أنها لا تستطيع الاعتماد على القانون الدولي أو المنظمات الدولية أو التضامن الدولي، وأنه ينبغي عليها ألا ترتكب الخطأ الذي ارتكبته كييف، من خلال الثقة في “التعهدات الأمنية” و”الضمانات” و”معاهدات الصداقة” و”الشراكات الإستراتيجية” وما شابه ذلك.

ومثل هذه الاتفاقيات ليست لها أهمية، كما اتضح من عدم أهمية اتفاقيات أوكرانيا مع روسيا في عامي (1994 و1997)، والصين (2013)، والولايات المتحدة عامي (1994 و2008).

ويعتبر أوملاند أن الحل النموذجي للمعضلة الأمنية للقوى الأصغر هو الانضمام إلى تحالفات دفاعية، ومن الأفضل أن يشمل التحالف دولة واحدة على الأقل مسلحة نوويا.

ولكن كما تعلمت تبليسي وكييف، من بين دول أخرى، بالطريقة الصعبة، فإن الحصول على العضوية الكاملة في تحالف دفاعي قوي ليس بالأمر السهل ولا يخلو من المخاطر. وقد تلقى حلف شمال الأطلسي (الناتو) طلبا من جورجيا وأوكرانيا للانضمام إلى عضوية الحلف في أبريل/نيسان 2008، وأبلغهما الحلف أنهما “سيصبحان عضوين”.

ويشير أوملاند إلى أنه على الرغم من هذا الرد، فإن ما حدث بعد ذلك، هو أنهما لم تنضما إلى الناتو كما لم يبدأ الحلف عملية قبولهما. وبدلا من ذلك، قامت روسيا بتفكيك جورجيا منذ عام 2008، وتقوم بتفكيك أوكرانيا منذ فبراير/شباط 2014.

وربما كان العزاء الوحيد للبلدين هو أن مولدوفا -وهي أيضا جمهورية سوفياتية سابقة، ولكنها دولة محايدة دستوريا- لا تطمح إلى الانضمام إلى حلف الناتو، وقد تعرضت أيضا للتفكيك هي الأخرى على يد روسيا لأكثر من 30 عاما.

إلا أن مصير فنلندا -التي لها حدود طويلة مع روسيا- كان على العكس من ذلك، فعلى النقيض من جورجيا وأوكرانيا، نجحت فنلندا في بدء عملية انضمام إلى حلف الناتو في عام 2022، والتي توجت بانضمامها رسميا إلى الحلف في عام 2023.

 

ويرى أوملاند أن نموذجي فنلندا ومولدوفا يظهران أن نية مستعمرة روسية سابقة للانضمام إلى حلف الناتو ليست شرطا كافيا ولا ضروريا لغزو روسي. وإذا تساوت جميع العوامل الأخرى، فمن المرجح أن جورجيا وأوكرانيا كانتا ستصبحان هدفين للتوسع الروسي، مثل مولدوفا، حتى بدون الطموح للانضمام إلى حلف الناتو.

 

ويقول إنه كان بإمكان الدولتين تجنب فقدان أجزاء من أراضيهما لصالح روسيا فقط من خلال الخضوع للكرملين، عبر الانضمام إلى الاتحاد الاقتصادي الأوراسي الذي تهيمن عليه موسكو ومنظمة معاهدة الأمن الجماعي. وكان من المرجح أن تتعرض أوكرانيا لضغوط من أجل التوقيع على معاهدة دولة الاتحاد بين روسيا وبيلاروس عام 1999.

 

وتظهر تجارب أوكرانيا وجورجيا مع حلف الناتو، ورد فعل روسيا تجاههما، المخاطر المرتبطة بمحاولة الانضمام إلى تحالف دولي قوي، نظرا لأن التوازن الخارجي معقد، ويمكن أن يتسبب في وقوع التدخلات التي كان الهدف هو منعها. وينطبق هذا بشكل خاص على الدول الأكثر احتياجا إلى ضمانات أمنية.

 

ويشير المحلل أوملاند إلى أن الاضطرابات الجيوسياسية الحالية تنجم عن التنافس بين روسيا والصين والولايات المتحدة، أقوى 3 دول، والأعضاء الدائمين في مجلس الأمن الدولي، وأكبر الدول التي تمتلك أسلحة نووية بشكل رسمي بموجب معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية.

وهذا يقوض الثقة في السلوك المستقبلي للدول الأقوى نسبيا، وفي استمرار أهمية القانون الدولي والمنظمات الدولية في حماية الدول الأضعف نسبيا من القوى الكبرى.

قلق الدول غير النووية

وقد يبدو أن التحولات الحالية لا تثير أي مشكلة من منظور بكين وواشنطن وموسكو. ومع ذلك، فمن المرجح أن تثير قلق الدول التي لا تمتلك أسلحة نووية ولديها تكامل دولي محدود.

 

ويتعين على الدول التي لديها دول مجاورة قد تسعى للتوسع، وتعمل خارج حلف الناتو أو غيره من التحالفات الدفاعية المناسبة، أن تعيد النظر في إستراتيجيات أمنها القومي.

وربما يتجاهل قادة الصين والولايات المتحدة وروسيا أو يرفضوا أو يتعاملوا بجدية مع ردود الفعل على طموحاتهم التوسعية. وإذا لم يتخذوا خطوات استباقية لمواجهتها، فمن المتوقع أن يكون هناك رد فعل عنيف من القوى الأصغر عاجلا أو آجلا.

واعتبر أوملاند أن أحد ردود الفعل الممكنة على نهاية نظام ما بعد الحرب قد يكون زيادة حيازة أسلحة الدمار الشامل لأغراض الردع والدفاع.

وقد تؤدي هذه القرارات بدورها إلى خطوات مماثلة من جانب جيرانهم، الذين لا يثقون في تخزين أسلحة الدمار الشامل على حدودهم. وقد يؤدي هذا إلى سباقات تسلح إقليمية وانتشار متسلسل لأسلحة الدمار الشامل مثل قطع الدومينو. كما أن تدفق الأسلحة النووية والكيميائية والبيولوجية إلى ترسانات الدول يزيد بدوره من احتمال وقوع هذه الأسلحة في أيدي جهات فاعلة غير حكومية.

واختتم أوملاند تحليله بالقول إن التغيرات في سياسة الأمن العالمي، الناجمة عن التوسع الإقليمي لروسيا وجرائم الحرب المتعددة التي ارتكبتها في السنوات الأخيرة، تثير تساؤلات وجودية بالنسبة للقوى الأصغر.

ويزداد هذا التأثير حدة مع كل يوم تستمر فيه الحرب. وسيزداد هذا التأثير بشكل كبير إذا حققت روسيا نصرا عسكريا أو فرضت سلاما ظالما (سلام المنتصر) على أوكرانيا. وقد يدفع هذا الدول الأضعف نسبيا المجاورة لدول توسعية محتملة إلى أن تشك في جدوى التزامها بمنع الانتشار النووي.

وفي منتصف ستينيات القرن الماضي، وفي مدينة جنيف السويسرية، تفاوضت لجنة برعاية الأمم المتحدة على بنود “معاهدة الحد من انتشار الأسلحة النووية” بهدف الحد من التوسع النووي عالميا.

 

وقتها، اعترف العالم بخمس دول نووية فقط، وهي الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن: الولايات المتحدة، والاتحاد السوفياتي (روسيا)، والصين، وفرنسا والمملكة المتحدة، وتوافق العالم على منع توسيع هذا النادي الحصري. وفي مقابل ذلك، وفّرت الولايات المتحدة مظلتها النووية لحلفائها، لضمان أمنهم دون الحاجة إلى تطوير أسلحتهم النووية.

 

ورغم نجاح المعاهدة في الحد من الانتشار النووي، فقد ارتفع عدد أعضاء النادي الحصري للقوى النووية منذ ذلك الحين إلى تسع دول. ويُرجَّح أن إسرائيل كانت أول المنضمين الجدد إلى النادي النووي في أواخر الستينيات رغم عدم اعترافها بامتلاك أسلحة نووية حتى الآن، وتبعتها الهند في منتصف السبعينيات، ثم جارتها باكستان في التسعينيات، وجميعها دول لم تُوقِّع على معاهدة حظر الانتشار النووي. فيما تُعد كوريا الشمالية الدولة الوحيدة التي وقَّعت على المعاهدة وانسحبت منها عام 2003 قبل أن تُجري أول تجربة نووية عام 2006.

 

وإجمالا، يبلغ عدد الدول الموقِّعة على معاهدة حظر الانتشار النووي 191 دولة، بما في ذلك إيران، القوة التي طالما اتهمها خصومها بأنها تقف على أعتاب النادي النووي. لكن طهران -وبفرض صحة امتلاكها لطموحات نووية عسكرية- ليست بدعا من القوى الطامحة، حيث تشير تحذيرات المختصين إلى احتمال تضاعف عدد الدول التي تملك أسلحة نووية خلال العقدين المقبلين، في ظل تسارع وتيرة الزلازل الجيوسياسية وتآكل الثقة بالضمانات الأميركية والنظام العالمي الأوسع، ما يُعد تبشيرا بعصر جديد للانتشار النووي.

 

جاء هذا التحذير ضمن سلسلة مقالات تحليلية بعنوان “العصر النووي القادم” نشرها خبراء في اتحاد العلماء الأميركيين (Federation of American Scientists) في صحيفة “واشنطن بوست”. في المقال الرابع في هذه السلسلة، يشير مدير فريق المخاطر العالمية في اتحاد العلماء الأميركيين، جون ولفستال، إلى جانب هانز كريستنسن ومات كوردا، وهما المدير والمدير المساعد لمشروع المعلومات النووية في الاتحاد نفسه، إلى أن العديد من القوى في العالم اليوم باتت تتطلع لامتلاك أسلحة نووية، وهو ما يدفعنا للتساؤل: ما أسباب تزايد الشهية النووية عالميا؟ وما الدول القادرة على امتلاك السلاح النووي أو التي قد تسعى لامتلاكه في المستقبل القريب؟

 

سباق تسلح نووي

منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، وعلى مدار ثمانين عاما تقريبا، سعت الولايات المتحدة للحد من انتشار الأسلحة النووية عبر الدبلوماسية والحوافز والاتفاقيات وحتى التدخل العسكري أحيانا، وحققت النجاح في ذلك باستثناءات قليلة. لكن التحولات الراهنة في السياسة الدولية تشير إلى أن ذلك النجاح ربما لا يستمر في المستقبل.

 

ويُحذّر خبراء اتحاد العلماء الأميركيين أن الهجوم الأميركي الأخير على البرنامج النووي الإيراني قد يدفع قادة البلاد إلى تسريع مشروعهم النووي، بدلا من أن يُنهيه كما تطمح الولايات المتحدة.

 

 

وحذّر الخبراء من أن مشهدا تشن فيه دولتان نوويتان، وهما الولايات المتحدة وإسرائيل، هجوما على دولة غير نووية كإيران لمنعها من امتلاك السلاح النووي، ربما يكون كفيلا بدفع عديد من الدول إلى إعادة النظر في خياراتها الدفاعية، والسعي إلى امتلاك برامج نووية للردع. ويزداد هذا السيناريو ترجيحا مع تصاعد الطموحات العسكرية لكلٍّ من روسيا والصين، وتراجع التزامات واشنطن الأمنية تجاه حلفائها.

 

في هذا السياق، يؤكد أنكيت باندا، الباحث في مؤسسة “كارنيغي” ومؤلف كتاب “العصر النووي الجديد”، أن “تصاعد الانقسام بين القوى العظمى حول الحد من انتشار السلاح النووي بات أمرا واقعا”، ويضيف أن “ظاهرة ترامب سرّعت من تصاعد الأصوات التي باتت ترى في امتلاك أسلحتها النووية وسيلة لمواجهة تآكل ثقتها في الضمانات الأميركية”، وفق ما جاء في تقرير بصحيفة “فايننشال تايمز”.

 

يمكن تصنيف الدول التي قد تسعى للحصول على القنبلة النووية ضمن 3 مجموعات: أولها حلفاء الولايات المتحدة في أوروبا مثل بولندا، وفي آسيا مثل اليابان وكوريا الجنوبية وتايوان، إذ تملك هذه الدول المعرفة والتقنية والموارد الكافية لتطوير سلاح نووي (أو يمكنها أن تحصل عليها بسهولة نسبية)، ومع فقدانها للثقة في الالتزامات الأمنية الأميركية، خاصة في ظل السياسة الانعزالية لإدارة ترامب، ربما تبدأ في البحث عن ضمانات أمنية بديلة، بما في ذلك السلاح النووي.

 

أما المجموعة الثانية فتشمل ربما دولا في الشرق الأوسط تراقب عن كثب طموحات إيران “المزعومة” لتصنيع القنبلة النووية، وكيف يمكن أن تغير موازين القوى الإقليمية. بينما المجموعة الثالثة قد تشمل الدول المتأثرة مباشرة بالمجموعتين السابقتين، لأنها قد تجد نفسها مهددة إذا تحوّل جيرانها إلى قوى نووية.

 

لكن طريق أي قوة/دولة إلى عضوية النادي النووي ليس مفروشا بالورود، وينطوي على صعوبات كبيرة لطالما أسهمت في كبح جماح انتشار الأسلحة النووية، رغم تقلبات السياسة الدولية وتطور القدرات التقنية وتوفر الإمكانات الاقتصادية لدى العديد من الدول.

 

واحدة من أهم هذه الصعوبات أن إنتاج السلاح النووي لا يزال عملية معقدة تقنيا ومرهقة ماليا، ورغم إتاحة المعرفة التقنية على نطاق أوسع، فإن الحصول على المواد الانشطارية الأساسية -مثل اليورانيوم عالي التخصيب أو البلوتونيوم- لا يزال عملية معقدة ومكلّفة، كما أنها مراقَبة بشدة وتُثير إنذارا دوليا فوريا.

 

كما أن المسار النووي يفرض على الدولة الساعية إليه أخطارا جديدة، من بينها احتمال وقوع حوادث نووية، فضلا عن التداعيات السياسية وربما الأمنية والعسكرية لهذه الخطوة، وأقلها العقوبات، وذروتها تدخلات عسكرية متفاوتة الشدة تمنعها من متابعة مسارها.

 

لذلك، فإن التحذيرات السابقة -على جديتها- لا تعني أن هناك برامج تسلح نووي تقترب من النور، لكنها جرس إنذار حول توجُّه بعض الدول، التي قد تملك التقنيات والموارد لتصنيع القنبلة النووية -إن أرادت ذلك- وتُعرف بـ”دول العتبة النووية”.

عاجل !!