بينما تسعى دول المنطقة لتعزيز مفاهيم “تصفير الأزمات” والتركيز على مشاريع الربط الاقتصادي ظهرت “عقدة بحرية” جديدة على السطح تمثلت في رفض دول مجلس التعاون الخليجي لقرار العراق إيداع خريطة حدوده البحرية لدى الأمم المتحدة.. هذا التحفظ الخليجي ليس مجرد إجراء بروتوكولي بل تعبير عن مخاوف قانونية وسيادية تتعلق بمنطقة “فشت العيج” وما وراءها.. تكمن المشكلة في أن الجانب العراقي يسعى من خلال إيداع هذه الخرائط إلى تثبيت واقع جغرافي يراه حقاً طبيعياً لتعويض “انحباسه البحري” وضيق سواحله في المقابل، ترى دول الخليج، وتحديداً الكويت والسعودية أن أي خطوة أحادية في ترسيم الحدود البحرية تتجاوز الاتفاقيات الموقعة أو القرارات الدولية (مثل القرار 833) تمثل مساساً بالوضع القائم وتعدياً على مياهها الإقليمية.. يرتكز الرفض الخليجي على ثلاث ركائز أساسية هي القانون الدولي و مشروع ميناء الفاو حيث هناك توجس من أن الخريطة الجديدة قد تتقاطع مع الممرات الملاحية الحيوية التي تخدم الموانئ المجاورة.. والاستقرار السياسي حيث يُنظر إلى هذه الخطوة في بعض العواصم الخليجية كاستجابة لضغوط داخلية عراقية، أكثر من كونها خطوة فنية مدروسة، مما قد يعيد لغة “التصعيد” إلى واجهة العلاقات الأخوية.. إن إيداع الأوراق في نيويورك قد يمنح شرعية قانونية نظرية لكنه لا يمنح استقراراً على أرض الواقع (أو مياه الخليج).. الحل لن يكون في “حرب الخرائط”، بل في العودة إلى طاولة اللجنة العليا المشتركة.. العراق يحتاج إلى متنفس بحري لنموه الاقتصادي والخليج يحتاج إلى عراق مستقر ومحترم للحدود؛ وهي معادلة لا تُحل إلا بالاعتراف المتبادل بالحقوق التاريخية والقانونية للعراق في مياهه الاقليمية بعيدا عن لغة التآمر والاعتداء على حقوق العراق المائية .


