في وطنٍ أثقلته الجراح، وتناوبت على روحه المحن، أجدُ أن الإنسانية الصادقة هي النور الذي لا ينطفئ، وأن الوفاء لليتيم يبقى مقياساً حقيقياً وسامياً لصدق المجتمعات في حفظ قيمها وترسيخ معانيها. ومن هذا المنطلق، تبرز في سماء العراق عناوين إنسانية مضيئة، لعل أبرزها مؤسسة العين للرعاية الاجتماعية، بوصفها نموذجاً حياً لرسالة الوفاء لأيتام هذا البلد، ومنحهم حقهم في الرعاية والكرامة والأمل.
من وجهة نظري، لم تكن مؤسسة العين مشروعاً عابراً أو جهداً موسمياً، ولا إرادةً محدودة الأثر، بل هي رؤية متجذرة في عمق القيم الدينية والإنسانية. رؤية تنطلق من فهمٍ عميق لمعنى اليتيم، لا بوصفه رقماً في سجل أو اسماً في ورق، بل روحاً تحتاج إلى الأمان، وقلباً يستحق الطمأنينة، وعيوناً جديرة بالدعم، ومستقبلاً ينبغي أن يُصان.
إن ما يميّز تجربة مؤسسة العين، هو تقديمها نموذجاً عملياً للرعاية الشاملة، يجمع بين الكفالة المادية والدعم النفسي والاهتمام التربوي، في محاولة جادة لإعادة شيء من دفء الحياة لليتيم، تلك الحياة التي سلبه إيّاها القدر قسراً. وهذا النموذج لا يمكن النظر إليه إلا بوصفه استثماراً حقيقياً في الإنسان، لا عملاً خيرياً آنياً.
ولا يمكن فصل هذا الجهد المبارك عن الدعم الرصين والمبارك الذي حظي به من المرجعية الدينية الرشيدة، التي كانت ولا تزال حاضنة للمبادرات الإنسانية وركيزة أساسية في توجيه المجتمع نحو التكافل الحقيقي وحفظ كرامة الإنسان، ولا سيما اليتيم. فقد أرست المرجعية، بثقلها المعنوي والأخلاقي، مبدأ أن رعاية اليتيم ليست تفضّلاً، بل مسؤولية شرعية وأخلاقية، وأن بناء الإنسان هو أسمى وجوه العبادة والعمل الصالح.
وأرى أن دعم المرجعية لمثل هذه المبادرات لم يكن دعماً مادياً فحسب، بل إحياءً لثقافة الرحمة والإنسانية، وتثبيتاً لقيم العدالة الاجتماعية، وترسيخاً لفكرة أن المجتمع القوي هو الذي لا يترك أضعف أفراده خلفه. ومن هنا، كانت وما تزال مؤسسة العين صورة عملية وثقافية سامية لترجمة هذا النهج، ومرآة صادقة لخطاب المرجعية في ميادين العمل الإنساني.
وفي ختام، لا يسعني إلا أن أقف وقفة شكر وامتنان لكل يدٍ امتدت بالخير، ولكل قلب آمن بأن اليتيم أمانة، وأن مسح دمعته صدقة، وأن رعايته بناء لوطن أكثر رحمة. فاليتيم، في قناعتي، ليس ضعيفاً، بل قصة صبر، وليس حرماناً فقط، بل اختباراً حقيقياً لضمير المجتمع. هو ذلك الطفل الذي فقد السند، لكنه لم يفقد الحق في حياة كريمة، ولا في أن يجد من يقول له: لست وحدك، نحن بجانبك.
تحية وفاء لمؤسسة العين، وتقدير عميق للمرجعية الرشيدة، ولكل من جعل رعاية اليتيم رسالة، ومن الإنسانية منهجاً، ومن الرأفة عنواناً، ومن العطاء طريقاً لا ينقطع.





