لماذا يخشى نتنياهو المرحلة الثانية من اتفاق غزة؟‎

هيئة التحرير29 ديسمبر 2025آخر تحديث :
لماذا يخشى نتنياهو المرحلة الثانية من اتفاق غزة؟‎

تعتبر أحزاب اليمين المتطرف الانسحاب تنازلا خطرا يمنح حماس إنجازا سياسيا من دون حسم عسكري

يتجنب نتنياهو الصدام مع ترامب خاصة في ظل ما يتداول عن دعم أميركي سياسي وشخصي له، مقابل تمرير الخطة

تصاعد احتمالات الذهاب إلى انتخابات مبكرة للكنيست ما يجعل المرحلة الثانية ليست مجرد استحقاق سياسي بل خطر قد يعجل بنهاية حكومته

تشكل المرحلة الثانية سابقة خطرة إذ تعني عمليا انسحابا إسرائيليا من دون تحقيق نصر حاسم أو تفكيك القدرات العسكرية لحماس وحزب الله

 

القدس المحتلة / النهار

يخشى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، المطلوب للمحكمة الجنائية الدولية بتهمة ارتكاب جرائم حرب في غزة، المرحلة الثانية من خطة الرئيس الأميركي دونالد ترامب في القطاع، لأنها تمثل تهديدا مباشرا لاستقرار ائتلافه اليميني أكثر مما تشكل تحدّيا أمنيا.

وبحسب القراءات الإسرائيلية، تتضمن المرحلة التي تدفع واشنطن باتجاهها وتناقشها قمة نتنياهو وترامب في ولاية فلوريدا المنتظرة، انسحابات إضافية من قطاع غزة ومن جنوب لبنان من دون نزع سلاح حركة المقاومة الإسلامية (حماس) وحزب الله، وهو ما يرفضه اليمين المتطرف داخل الحكومة الإسرائيلية قطعا.

وقد يؤدي أي التزام من نتنياهو بهذه الخطوة إلى تفكك الائتلاف، إذ تعتبر أحزاب اليمين المتطرف الانسحاب تنازلا خطرا يمنح حماس إنجازا سياسيا من دون حسم عسكري، ويقوّض خطاب استعادة الردع الذي تبناه نتنياهو منذ بدء الحرب.

مناورة نتنياهو

في المقابل، يتجنب نتنياهو الصدام مع ترامب خاصة في ظل ما يتداول عن دعم أميركي سياسي وشخصي له، مقابل تمرير الخطة. لذلك يحاول المناورة بين الضغوط الأميركية والرفض الداخلي، بتأجيل المرحلة الثانية أو ربطها بشروط أمنية صارمة، أو المطالبة بتعويض سياسي وأمني.

وتزداد مخاوفه في ظل توتر الائتلاف وتعثر قانون تجنيد الحريديم وتصاعد احتمالات الذهاب إلى انتخابات مبكرة للكنيست ما يجعل المرحلة الثانية ليست مجرد استحقاق سياسي بل خطر قد يعجل بنهاية حكومته.

يأتي لقاء ترامب ونتنياهو المرتقب في توقيت بالغ الحساسية داخليا وإقليميا. ويقول المحلل العسكري في صحيفة “يديعوت أحرونوت”، رون بن يشاي إنه “بالنسبة لنتنياهو، تمثل المرحلة الثانية من اتفاق غزة مصدر قلق مركزي، ليس فقط بسبب تبعاتها الأمنية، بل أساسا بسبب انعكاساتها السياسية الداخلية التي قد تهدد بقاء ائتلافه الحاكم”.

من جانبه، قال جوناثان ليس مراسل الشؤون السياسية في صحيفة “هآرتس”، إن نتنياهو يقود ائتلافا هشا يعتمد أساسا على أحزاب اليمين المتطرف، التي ترفض رفضا قاطعا أي انسحاب من قطاع غزة أو تقليص للوجود العسكري الإسرائيلي فيه.

وهذه الأحزاب، بحسب الصحفي الإسرائيلي، ترى في المرحلة الثانية تنازلا إستراتيجيا يمنح حماس إنجازا سياسيا وعسكريا، دون نزع سلاحها.

وأضاف أن أي التزام من نتنياهو لواشنطن بالانسحاب أو إعادة انتشار القوات، قد يدفع شركاءه في اليمين المتطرف إلى الانسحاب من الائتلاف، ما يعني فقدان الأغلبية البرلمانية والانزلاق نحو انتخابات مبكرة لا يضمن رئيس الوزراء الإسرائيلي نتائجها.

سابقة بلا حسم

يقول المحلل العسكري في صحيفة “هآرتس” عاموس هرئيل، إن من منظور المؤسسة اليمينية، تشكل المرحلة الثانية سابقة خطرة، إذ تعني عمليا انسحابا إسرائيليا من دون تحقيق نصر حاسم أو تفكيك القدرات العسكرية لحماس وحزب الله.

 

هذا السيناريو، وفقا له، يتناقض مع الخطاب الذي تبناه نتنياهو منذ بداية الحرب القائمة على استعادة قوة الردع ومنع تكرار هجمات مستقبلية. ويضيف أن قبول هذه المعادلة سيستخدم داخليا كسلاح سياسي ضده، ويقدَّم للرأي العام الإسرائيلي كفشل في تحقيق أهداف الحرب.

الضغوط الأميركية

من ناحيته، يرى الكاتب الإسرائيلي بنحاس عنباري، أن نتنياهو يدرك أن الدخول في صدام مباشر مع ترامب ليس خيارا واقعيا، خصوصا في ظل ما يتداول عن استعداد الرئيس الأميركي منحه مظلة سياسية قد تصل إلى حد الدفع نحو العفو عنه أو إلغاء محاكمته في قضايا الفساد وخيانة الأمانة التي يحاكَم فيها.

ولكن في المقابل، يضيف عنباري في مقاله بالموقع الإلكتروني “زمان يسرائيل”، فإن الاستجابة الكاملة للمطالب الأميركية قد تفجر أزمته الداخلية، لذلك يحاول نتنياهو المناورة بين عدم رفض خطة ترامب علنا، وفي الوقت نفسه السعي إلى تأجيل أو تفريغ المرحلة الثانية من مضمونها، أو ربطها بشروط أمنية صارمة.

إذًا، هل يتجنب نتنياهو الصدام بترامب حفاظا على بقائه السياسي، حتى وإن جاء ذلك على حساب شروطه الأمنية المعلنة؟

يرى المحلل العسكري هرئيل، أن لقاء الرئيس الأميركي ورئيس الوزراء الإسرائيلي المنتظر لا ينذر بصدام علني بينهما، إذ يمتلك كل منهما مصلحة مباشرة في التعاون؛ فترامب يحتاج إلى نتنياهو لدفع المرحلة الثانية من خطته في غزة وتقديمها كإنجاز مركزي لسياساته في المنطقة، في حين يدرك نتنياهو أن أي مواجهة به قد تنعكس سلبا على وضعه السياسي الداخلي الهش.

وأشار إلى أن الخلاف مع ترامب أخطر من الخلاف مع سلفه جو بايدن، ما يدفع نتنياهو إلى البحث عن تعويض سياسي مقابل التنازلات المطلوبة منه في غزة، مع تضاؤل فرص نجاحه في إقناع ترامب بتجميد المرحلة الثانية، رغم خطر بقاء حماس مسيطرة عسكريا في القطاع.

ولفت هرئيل إلى أن ضباط الجيش الإسرائيلي يتحدثون عن سيطرة أميركية شبه كاملة على مجريات الأمور، بتنسيق مباشر مع القيادة العسكرية الأميركية الوسطى وضغوط مستمرة لتنفيذ التعهدات الإسرائيلية.

محاولة شراء الوقت

من جهتها، تقول المذيعة الإسرائيلية نحاما دويك، في مقال نشر في صحيفة “يسرائيل هيوم”، إن هذه الضغوط تأتي في ظل توتر متصاعد داخل الائتلاف الحاكم وتعثر تشريع قانون تجنيد الحريديم، وتصاعد الحديث عن إمكانية الذهاب إلى انتخابات مبكرة.

وتضيف “في مثل هذا المناخ، يرى نتنياهو أن أي خطوة مثيرة للجدل، كبدء انسحابات من غزة أو لبنان، قد تعجل بانهيار حكومته، وعليه سيسعى للمناورة والمراوغة لكسب الوقت”.

وتُقدّر دويك أنه خلال لقائه بترامب، سيحاول نتنياهو الدفع باتجاه أولوية نزع سلاح حماس وحزب الله، أو على الأقل الحصول على تعويض سياسي أو أمني مقابل البدء في المرحلة الثانية، سواء بضمانات أميركية أو دعم مفتوح لاستمرار عملياته في غزة ولبنان.

غير أن الثابت -وفقا لها- هو أن نتنياهو، رغم محاولاته الالتفاف والمساومة، لن يذهب إلى مواجهة مباشرة مع الرئيس الأميركي، بل سيحاول إدارة الخلاف بهدوء مدفوعا بهاجس أساسي وهو الحفاظ على ائتلافه ومنع تحول المرحلة الثانية إلى الشرارة التي تسقطه سياسيا.

وكشفت وسائل إعلام إسرائيلية عن قناعة متنامية لدى مسؤولين في البيت الأبيض بأن إسرائيل تماطل في تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار في غزة وتخربه أحيانا.

 

ويعكس هذا التطور تباينا حادا بين الإدارة الأميركية والحكومة الإسرائيلية قبل أيام قليلة من اللقاء المرتقب بين الرئيس دونالد ترامب ورئيس الوزراء بنيامين نتنياهو المطلوب لدى المحكمة الجنائية الدولية.

وعرضت حلقة  من برنامج “ما وراء الخبر” تساؤلات حول أهمية توصل مسؤولي إدارة ترامب إلى هذه القناعة، وحجم التباين بين الموقفين الأميركي والإسرائيلي، ودلالة الكشف عن هذا الخلاف في هذا التوقيت الحساس.

ونقلت القناة الإسرائيلية الـ12 عن مسؤولين في البيت الأبيض وجود انطباع بأن الإسرائيليين يشعرون بالندم على توقيع اتفاق غزة منذ فترة، وأضافت أن مسؤولا أميركيا أشار إلى أن إسرائيل تجعل تنفيذ الاتفاق أكثر تعقيدا على الرغم من صعوبة تنفيذه في الأساس.

وكشفت القناة أيضا عن تباين بشأن المرحلة الثانية من الاتفاق بين موقف المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف والمستشار جاريد كوشنر من جهة، وموقف نتنياهو من جهة أخرى.

وأشارت المصادر إلى أن الإدارة الأميركية تعتزم الإعلان خلال الشهر المقبل عن مجلس سلام وحكومة تكنوقراط وقوة استقرار لإدارة القطاع.

رسائل التسريب

وفي السياق، رأى الباحث المختص بالشأن الإسرائيلي عادل شديد أن هذا التسريب موجه لأكثر من جهة، وأوضح أن الرسالة الأولى تستهدف الفضاء الدولي الذي يضغط على الإدارة الأميركية لضبط السلوك الإسرائيلي، بمعنى أن الإدارة باتت تشعر بعدم الرضا عما يقوم به نتنياهو.

ولفت شديد إلى أن التحولات في الشارع الأميركي وصلت إلى قواعد الحزب الجمهوري التي لم تعد راضية عن السياسة الأميركية تجاه إسرائيل ونتنياهو، واعتبر أن التسريب يهدف أيضا إلى تهيئة الرأي العام الإسرائيلي لتقبل تراجع نتنياهو عن مواقف اعتبرها خطوطا حمراء.

 

من جهة أخرى، شكك الأكاديمي والخبير بسياسات الشرق الأوسط الدكتور محجوب الزويري في جدية الضغوط الأميركية على إسرائيل، وأكد أن إدارة ترامب تتعامل مع إسرائيل كما يتعامل الأب مع ابنه، إذ تضغط عليه ثم تعطيه هدية.

وأشار الزويري إلى أن ترامب يعطي إسرائيل الضوء الأخضر لتفعل ما تريد بدون حساب أو عقاب، على الرغم من تسريب هذه المعلومات، ولفت إلى أن ترامب تحدث عن توسيع اتفاقيات إبراهام بينما كانت إسرائيل تنتهك اتفاق وقف إطلاق النار، متسائلا كيف يمكن فهم هذا التناقض؟

وبالمثل، أكد الزويري أن ترامب ذهب باتجاه تحالفات إقليمية جديدة تضم إسرائيل لمواجهة الصين، وتساءل كيف يمكن لإسرائيل أن تستشعر الضغط وهي تحظى بهذا الدعم الإستراتيجي المتواصل.

وعلى صعيد الموقف الأميركي، أوضح العضو الجمهوري السابق لمجلس مدينة نيويورك جو بوريلي أن التسريبات تظهر نوعا من الإحباط لدى الأميركيين من جانب كوشنر وويتكوف تجاه نتنياهو، واعتبر أن هذه التسريبات قد تكون محاولة لفرض بعض الضغوط حول الخطوات العملية لتحقيق الاتفاق.

ولفت بوريلي إلى أن الخطة لا تمضي قدما بالسرعة الكافية وفق التوقيت الزمني الذي يريده الرئيس ترامب، وأكد أن الرئيس الأميركي يواجه ضغطا من حزبه، إذ تبدو مجموعة محبطة من بطء تحقيق التسوية والسلام في الشرق الأوسط.

وفي تباين واضح مع التفاؤل الأميركي، أشار بوريلي إلى أن نتنياهو لن يتفاوض حول إطلاق سراح جثة الأسير الأخيرة، وهي نقطة ضغط داخلي كبيرة تستثمرها حركة المقاومة الإسلامية (حماس)، وأكد أن نتنياهو لن يتنازل أيضا عن السيطرة على نزع سلاح حماس، معتبرا هذين الموضوعين خطوطا حمراء غير قابلة للتفاوض.

 

ومن زاوية أخرى، توقع شديد أن يحاول نتنياهو في اللقاء المرتقب خلط الأوراق على الطاولة، وأوضح أن رئيس الوزراء الإسرائيلي يريد فرض أجندته بدلا من تبني الأجندة المعروضة من الإدارة الأميركية، بما في ذلك تفاصيل غزة وموضوع الضفة الغربية وحزب الله وإيران.

وحذر شديد من أن الضفة الغربية ستكون من أهم القضايا المعروضة على أجندة اللقاء القادم، وقد يخرج من هذا اللقاء موقف حاسم يتعلق بالضفة.

واعتبر أن تقدم المشروع الإسرائيلي في الضفة قد يبرر تراجع نتنياهو في غزة، لأن الضفة تشكل العمق الجغرافي ولا يمكن أن يكون هناك مستقبل لأي كيان فلسطيني بدونها.

وأكد الزويري أن الرئيس الأميركي يواجه ضغوطا من الوسطاء وعليه التزامات نحو 58 دولة شاركت في دعم الاتفاق، وأشار إلى أن ترامب محرج لأن الاتفاق يحمل اسمه، وهو لا يريد أن يخرج كأنه هُزم شخصيا أمام رئيس الوزراء الإسرائيلي.

وتؤكد افتتاحية هآرتس أن قدرة الرئيس الأميركي دونالد ترامب على تحويل وعوده عن “السلام في الشرق الأوسط” إلى واقع ستخضع للاختبار حسب تعامله مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، المعروف بسياسة المماطلة وترك الملفات مفتوحة دون حسم.

وذكرت أن اجتماع الرجلين في فلوريدا هذا الأسبوع سيكون بمثابة اختبار لقدرة إضفاء ترامب الجدية على تصريحاته المتفائلة بشأن السلام بالشرق الأوسط.

وأوضحت المقالة أن نتنياهو يتعمد إبقاء جبهات غزة ولبنان وسوريا وإيران غير مستقرة، مما يعرقل أي مبادرة إقليمية شاملة تسعى لها الإدارة الأميركية، سواء لتوسيع اتفاقات أبراهام أو لتحقيق إنجاز دبلوماسي.

 

ولفتت في هذا الصدد إلى أن إعلان ترامب رفضه لضم الضفة الغربية ودعمه لمسار سياسي أوسع، لم يثن نتنياهو عن مواصلة اتباع نهج “اللا حرب واللا سلم” الذي يهدف إلى كسب الوقت وحماية استقرار ائتلافه الحاكم.

وقالت إن ترامب، إذا كان مصمما على تحقيق رؤيته للسلام، فعليه أن يُظهر العزم نفسه في مواجهة سياسة إسرائيلية أخرى لا تقل خطورة، ألا وهي سياسة نتنياهو القائمة على الجمود، فهو يُجيد ترك القضايا معلقة وإحباط أي فرصة للتغيير، على تعبير الصحيفة.

وفي غزة تحديدا، تقول هآرتس، يحاول رئيس الوزراء الإسرائيلي تحويل المرحلة المؤقتة من وقف إطلاق النار إلى وضع دائم، من دون الانتقال إلى المرحلة الثانية التي تتضمن تسوية سياسية أوسع ودورا للسلطة الفلسطينية، وهو ما يتعارض مع رؤية ترامب المعلنة.

وخلصت الافتتاحية إلى أن نتنياهو سيواصل التأجيل والمراوغة لأن ذلك يخدم مصلحته السياسية فقط، لذلك، إذا كان ترامب جادا في تحقيق السلام، فعليه، وفقا للصحيفة، أن يفرض على نتنياهو ثمنا واضحا لأي محاولة تعطيل أو كسب وقت، وأن يجبره على الانتقال إلى المرحلة الثانية من الاتفاق، لأن استمرار المماطلة لا يخدم إسرائيل ولا المنطقة، بل نتنياهو وحكومته وحدهما.

عاجل !!