الدعم السريع ترحب بإعلان ترامب عزمه إنهاء الحرب في السودان وهي ليست المرة الأولى التي تؤكد فيها انخراطها في أي جهود لإرساء سلام عادل وشامل
يكثّف عبدالفتاح البرهان تحركاته الميدانية منذ أسابيع متجولاً بين مناطق عدة في ولايات أم درمان والجزيرة والنيل الأبيض في محاولة لتأكيد حضور الجيش على الأرض
حققت قوات الدعم السريع خلال الآونة الأخيرة مكاسب ميدانية مهمة أبرزها السيطرة على كامل إقليم دارفور الاستراتيجي
تضمن السيطرة على دارفور للدعم السريع خطوط إمداد حيوية من الغرب والجنوب الغربي خاصة عبر الحدود مع ليبيا وتشاد وأفريقيا الوسطى
جاءت دعوة حمدوك في رسم فيه صورة قاتمة للوضع الإنساني والسياسي في السودان مؤكداً أن البلاد تواجه أخطر مرحلة في تاريخها الحديث
الخرطوم / النهار
يعكس اشتراط عبدالفتاح البرهان، قائد الجيش رئيس مجلس السيادة الانتقالي السوداني، إنهاء وجود قوات الدعم السريع لوقف الحرب، مساعيه لإجهاض أي مبادرات تهدف إلى إنهاء الصراع الذي شرّد ملايين السودانيين وأوقع البلاد في إحدى أسوأ الأزمات الإنسانية.
في المقابل، أكدت “الدعم السريع” ترحيبها بإعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب عزمه إنهاء الحرب، وهي ليست المرة الأولى التي تؤكد فيها انخراطها في أي جهود لإرساء سلام عادل وشامل.
ويُنظر إلى شرط البرهان كعقبة رئيسية، إذ ينسف أي مبادرات إقليمية أو دولية تهدف إلى وقف إطلاق النار والتفاوض دون تفكيك الدعم السريع، وهو ما ترفضه الأخيرة قطعًا. وقد أكد قائد الجيش مرارًا عدم استعداده للمصالحة مع هذه القوات.
وخلال زيارة ميدانية إلى مدينة القطينة بولاية النيل الأبيض، صرّح البرهان بأن “المعركة الحالية لا تحتمل أنصاف الحلول”، مضيفاً أن “القوات المسلحة مصممة على اجتثاث التمرد وتحرير البلاد كاملة من سيطرة الميليشيا”، بحسب بيان صادر عن مجلس السيادة.
ويكثّف عبدالفتاح البرهان تحركاته الميدانية منذ أسابيع، متجولاً بين مناطق عدة في ولايات أم درمان والجزيرة والنيل الأبيض، في محاولة لتأكيد حضور الجيش على الأرض ورفع معنويات القوات، وفق وكالة الأنباء السودانية الرسمية.
وحققت قوات الدعم السريع خلال الآونة الأخيرة مكاسب ميدانية مهمة، أبرزها السيطرة على كامل إقليم دارفور الاستراتيجي. فقد سيطرت في أواخر الشهر الماضي على مدينة الفاشر، بعد حصار دام نحو 18 شهرًا، ما يعزز قبضتها على غرب السودان ويمنحها عمقًا إقليميًا واسعًا.
وتضمن السيطرة على دارفور للدعم السريع خطوط إمداد حيوية من الغرب والجنوب الغربي، خاصة عبر الحدود مع ليبيا وتشاد وأفريقيا الوسطى. وتهدف هذه التحركات إلى عزل مناطق سيطرة الجيش في كردفان، مثل مدينة الأبيض.
كما أعلنت هذه القوات إسقاطها طائرات مسيرة، بما في ذلك مسيرات تركية الصنع من طراز “أكانجي” وطائرات أخرى مثل إليوشن في سماء بابنوسة، ما يدل على نقلة نوعية في قدرات دفاعها الجوي، مما يقلل من التفوق الجوي للجيش.
ورغم تكبيدها الجيش خسائر فادحة، أعربت القوات عن متابعتها باهتمام وتقدير بالغين للتحركات الدولية المكثفة بشأن الأوضاع في السودان. ووجهت الشكر الجزيل للرئيس دونالد ترامب وقادة دول الرباعية الدولية (السعودية، الإمارات، مصر، والولايات المتحدة) على جهودهم ومساعيهم الحميدة للتوسط في النزاع السوداني.
وأكدت القوات التزامها بالعمل على “إرساء سلام عادل وشامل”، مجددة عزمها على الانخراط في أي جهود تهدف إلى تحقيق ذلك، لافتة إلى أن “العقبة الحقيقية أمام تحقيق السلام هي العصابة المتحكمة في قرار القوات المسلحة من فلول النظام البائد وقيادات تنظيم الإخوان”.
وربطت استعدادها للسلام بضرورة المضي قدماً نحو “تفكيك دولة التمكين والفساد” التي أسسها الإخوان داخل المؤسسة العسكرية ومؤسسات الدولة، وبناء جيش وطني مهني واحد خالٍ من الأيديولوجيات المتطرفة.
ويهدف هذا الترحيب الجاد إلى إظهار الدعم السريع كطرف مسؤول ومستعد للتفاوض، على عكس قائد الجيش الذي اشترط إنهاء وجودها، مما يضع ضغوطاً دولية أكبر على البرهان. ويعزز هذا الاستعداد لوقف الحرب موقف قوات محمد حمدان دقلو الملقب بـ”حميدتي” على الساحة السياسية ويساعدها في ترسيخ الاعتراف بها كطرف لا يمكن تجاوزه في أي ترتيبات مستقبلية.
وقال مسؤولون ليبيون وتشاديون إن البلدين وضعا خلال الأيام الأخيرة قنوات اتصال مباشرة أشبه بـ”خط ساخن” لتنسيق الجهود الأمنية في المناطق الحدودية مع السودان، في ظل التطورات الميدانية المتسارعة في دارفور عقب سيطرة قوات الدعم السريع على مدينة الفاشر ومعظم الإقليم. ويأتي هذا التحرك في وقت تتصاعد فيه المخاوف من تدفق النازحين والمقاتلين والأسلحة المهربة عبر المثلث الصحراوي المشترك، ومن تنامي أنشطة تهريب السلاح والعناصر المسلحة التي تنشط في الفراغ الأمني الذي أحدثه الصراع السوداني.
وتشهد الحدود الجنوبية لليبيا، الممتدة مع كل من السودان وتشاد، حالة من استنفار متزايد، إذ تتوقع الأجهزة الأمنية موجات جديدة من الهجرة غير المنظمة وتسرب مجموعات مسلحة نتيجة تحول دارفور إلى نقطة اشتعال واسعة. هذا الوضع دفع طرابلس ونجامينا إلى تفعيل آلية اتصال مستمرة بهدف تبادل المعلومات الميدانية والتنسيق حول أي تحركات غير طبيعية قد تشكل تهديداً مباشراً لأمن البلدين.
وقال مسؤول عسكري ليبي وفق ما نقله موقع ‘اخبار شمال افريقيا” إن “التنسيق بين قوات بلادنا والجيش التشادي تبلور منذ العام الماضي”، موضحاً أن هذا التعاون اكتسب زخماً إضافياً مؤخراً بعد تطور الأوضاع في السودان في إشارة للأحداث في الفاشر مشيرا إلى أن الهدف من هذه الجهود هو “صد أي تداعيات على أمن البلدين، خصوصاً عمليات نقل المقاتلين والسلاح”.
من جهته، يرى الدكتور يوسف الفارسي، أستاذ العلوم السياسية، أن تجدد القتال في دارفور يعيد فتح ممرات النزوح والهجرة غير النظامية نحو ليبيا، عبر الأراضي التشادية التي تشكّل نقطة عبور رئيسية حيث يرى أن “الصراع المسلح في دارفور يدفع أعداداً كبيرة من السكان إلى البحث عن مناطق أكثر أمناً، وجزء من هؤلاء يتجه عادة نحو ليبيا عبر تشاد”، مشدداً على أن حركة النزوح لا تقتصر على المدنيين فقط، بل تمتد أيضاً إلى مجموعات مسلحة قد تحاول إعادة التموضع في المناطق الحدودية.
ونبه الفارسي من أن “النزاعات المطوّلة تخلق حركة غير منضبطة للمسلّحين، خصوصاً في المناطق القبلية المتداخلة بين ليبيا وتشاد والسودان”، مؤكداً أن هذه الديناميكية الخطرة تجعل التعاون الأمني بين الجانبين الليبي والتشادي “ضرورة قصوى” وليس مجرد خيار. ويضيف أن هذا التعاون يشكل “خط الدفاع الأول لحماية الاستقرار الداخلي في ليبيا”، لأنه يتيح مراقبة دقيقة للتحركات عبر الحدود وتعقب شبكات التهريب وممرات عبور الجماعات المسلحة.
ويأتي إنشاء “الخط الساخن” امتداداً لمسار تعاون أمني بدأ يتعزز منذ العام الماضي، وكان آخر محطاته اللقاء الذي جمع نائب القائد العام للجيش الوطني الليبي، صدام حفتر، بالرئيس التشادي محمد إدريس ديبي مطلع أغسطس/اب الماضي. وتركزت تلك المحادثات حينها على ملف تأمين الحدود المشتركة ومواجهة المخاطر المرتبطة بالأنشطة غير القانونية في مناطق العبور الصحراوية.
وتعد الحدود الليبية–التشادية واحدة من أكثر المناطق حساسية في المنطقة، بسبب الطبيعة القاسية للصحراء وصعوبة مراقبتها، إضافة إلى وجود جماعات متمردة وعصابات تهريب تتخذ من هذه المساحات الواسعة منطقة حركة. ومنذ عام 2019، عملت السلطات التشادية على نشر قوة أمن مشتركة في منطقة تيبستي شمال البلاد بهدف تعزيز السيطرة على الحدود مع ليبيا، خاصة في ظل تزايد نشاط المهربين والمنقبين عن الذهب والمجموعات المتمردة التي تتحرك بين البلدين.
وفي ليبيا، أطلقت القيادة العامة للجيش الوطني بقيادة المشير خليفة حفتر عملية عسكرية واسعة في 25 أغسطس/اب 2023 لطرد الحركات التشادية المسلحة من البلدات الجنوبية، بعدما امتدت اشتباكات بين الجيش التشادي ومجموعات التمرد إلى داخل الأراضي الليبية. وجاءت هذه العملية لتعزيز السيطرة على المناطق الحدودية ومنع تحول الجنوب الليبي إلى ساحة مفتوحة لصراعات دول الجوار.
وخلال السنوات الماضية، نفذت الحركات التشادية المسلحة عدة هجمات على مواقع تابعة للجيش الوطني الليبي، ما اعتبره مراقبون تهديداً مباشراً للأمن الإقليمي، خاصة في ظل تقاطع خطوط التهريب بين السودان وتشاد وليبيا. وتخشى الأجهزة الأمنية الليبية من أن يؤدي انهيار الوضع الأمني في دارفور إلى تنشيط تلك المجموعات مجدداً، أو دفعها إلى البحث عن ملاذات جديدة في المناطق الحدودية الليبية.
ويبدو أن طرابلس ونجامينا تعيان جيداً خطورة المرحلة في ظل التغيرات الميدانية داخل السودان، ما يجعل التنسيق الأمني المتواصل ضرورة لحماية حدودهما ومنع انزلاق الأزمة السودانية إلى الداخل الليبي أو التشادي. ومع استمرار تدهور الوضع الامني في دارفور، تتزايد أهمية هذا التعاون لضمان عدم تحوّل المنطقة إلى مركز جديد لتجمع الجماعات المسلحة العابرة للحدود.
وفي ظل هذا المشهد المعقد، قد يشكّل “الخط الساخن” بين ليبيا وتشاد خطوة أولى نحو بناء منظومة تنسيق إقليمي أوسع، تهدف إلى حماية الحدود الجنوبية لليبيا، وتعزيز الاستقرار في المناطق المتاخمة لسودان يعيش أحد أخطر فصوله منذ اندلاع الحرب قبل أكثر من عام.
وأطلق رئيس الوزراء السوداني السابق ورئيس تحالف “صمود” الدكتور عبدالله حمدوك نداءً عاجلاً يدعو فيه القوات المسلحة السودانية إلى الدخول في مفاوضات مباشرة مع قوات الدعم السريع، محذراً من أن استمرار العمليات العسكرية يفتح الباب أمام انهيار شامل للدولة وتحول البلاد إلى ملاذ للجماعات الإرهابية رغم إصرار قائد الجيش عبدالفتاح البرهان على الحسم العسكري والثأر.
وجاءت دعوة حمدوك في خطاب موجّه إلى الشعب السوداني والمجتمعين الإقليمي والدولي نشره عبر حساباته الرسمية، رسم فيه صورة قاتمة للوضع الإنساني والسياسي في السودان، مؤكداً أن البلاد “تواجه أخطر مرحلة في تاريخها الحديث” مع اقتراب الحرب من عامها الثالث. واعتبر أن وقف إطلاق النار الفوري والشامل بات ضرورة وجودية، وليس مجرد خطوة سياسية.
وقال حمدوك إن الحرب التي اندلعت في أبريل/نيسان 2023 لم تعد مواجهة محصورة بين الجيش والدعم السريع، بل باتت “حرباً شاملة تستهدف الإنسان السوداني في حياته وكرامته وهويته”. وأشار إلى أن ملايين المواطنين يعيشون اليوم أوضاعاً تتجاوز حدود الكارثة، منبهاً إلى أن مئات الآلاف يُقتلون ويُشرّدون شهرياً فيما تحولت مدن كبرى مثل الخرطوم ودارفور وكردفان إلى ساحات مدمرة بعد أن كانت مراكز حيوية للحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية.
وأوضح أن مؤسسات الدولة انهارت أو تعطلت بشكل شبه كامل، تاركة السودانيين في مواجهة معركة يومية للحصول على الغذاء والماء والدواء، وهي احتياجات باتت نادرة بسبب الحصار، وانهيار شبكات الإمداد، وغياب الأمن في الطرق الرابطة بين المدن.
وشدد على أن تقارير حقوقية مستقلة وثقت جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في مناطق مختلفة، من بينها القتل على الهوية، واستخدام الغذاء كسلاح، وانتشار العنف الجنسي، إضافة إلى قصف جوي عشوائي طال منازل وأسواقاً ومستشفيات ومساجد. كما تحدث عن تقارير “مقلقة” بشأن استخدام أسلحة محظورة، وعمليات تهجير قسري، وإتلاف الوثائق الثبوتية لمجموعات سكانية بهدف الإقصاء.
وأضاف أن السودان يقف على حافة مجاعة واسعة النطاق، بعدما أدى الحصار وانقطاع خطوط الإمداد إلى نقص حاد في الغذاء، فيما وصلت معدلات الجوع إلى مستويات “تهدد حياة ملايين الأطفال والنساء وكبار السن”. ورأى أن استمرار القتال يضع البلاد على مسار انهيار اجتماعي واقتصادي طويل الأمد، ويخلق جيلاً محروماً من التعليم والرعاية الصحية، ما يجعل السودان بيئة خصبة لتمدد التنظيمات المتطرفة.
وطالب حمدوك القوات المسلحة السودانية أن تبادر، أسوة بما أعلنه الدعم السريع، بقبول جهود الوساطة والجلوس إلى طاولة التفاوض دون شروط مسبقة. وقال إن “لا منتصر في هذه الحرب”، وإن استمرار التحريض على القتال هو “مشاركة مباشرة في قتل الأبرياء”. ودعا الجيش والدعم السريع إلى الاستماع لصوت ملايين النازحين والجوعى والمصابين ممن دفعوا الثمن الأكبر لهذه الحرب.
وتأتي هذه الدعوة في وقت لا يزال فيه البرهان متمسكاً بالخيار العسكري، مؤكداً في خطابات سابقة أن الحسم هو الطريق الوحيد لإنهاء “تمرد الدعم السريع”. وقد كرر البرهان مراراً رفضه لأي مفاوضات مع قوات الدعم السريع قبل انسحابها من المدن وتسليم قياداتها للمحاسبة.
وأعرب حمدوك عن تقديره لخارطة الطريق التي قدمتها الآلية الرباعية (الولايات المتحدة، السعودية، الإمارات، مصر)، معتبراً أنها أعادت “بارقة أمل” بوقف نزيف الدم. ودعا إلى توحيد المبادرات الدولية والإقليمية تحت مظلة واحدة، واتخاذ خطوات عملية تشمل وقفاً فورياً وغير مشروط لإطلاق النار، وضمان وصول المساعدات الإنسانية دون عوائق، وتأمين العاملين في المجال الإغاثي، وتعبئة التمويل اللازم لمواجهة الانهيار الغذائي والصحي.
كما شدد على ضرورة حماية المدنيين من خلال وقف القصف العشوائي وفتح ممرات آمنة للتحركات الإنسانية، والتحقيق في الانتهاكات ومحاسبة المسؤولين عنها، إلى جانب إطلاق عملية إنسانية عبر الحدود للوصول إلى المناطق المحاصرة، وإنشاء آلية إغاثية إقليمية خاصة بالسودان بإشراف الأمم المتحدة.
وأكد حمدوك أن وقف الحرب ليس النهاية، بل “مدخل لا بد منه” لإطلاق عملية سياسية شاملة تستند إلى مبادئ ثورة ديسمبر “الحرية والسلام والعدالة”، وتضمن بناء دولة قادرة على حماية مواطنيها وترسيخ سيادة القانون. وأشار إلى أن السودان يمتلك المقومات اللازمة للنهوض من جديد شرط توافر الإرادة الوطنية ودعم المجتمعين الإقليمي والدولي.
وتستمر الحرب بين الجيش وقوات الدعم السريع منذ أبريل/نيسان 2023 مخلفة عشرات الآلاف من القتلى ونحو 13 مليون نازح ولاجئ، في واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم. كما تشهد مدينة الفاشر منذ أكتوبر 2025 مواجهات عسكرية ضارية وسط تقارير عن انتهاكات واسعة بحق المدنيين، وتحذيرات متزايدة من مخاطر تقسيم فعلي للبلاد إذا استمر الجمود العسكري والسياسي.
وفي ختام خطابه، دعا حمدوك القوى السياسية والمجتمع الدولي إلى “التحرك قبل فوات الأوان”، مؤكداً أن السودان يقف اليوم أمام مفترق طرق، وأن الخيار بين السلام والانهيار الكامل “لم يعد يحتمل الانتظار”.





