تنهض القصيدة على خطابٍ إنسانيٍّ عميق، يتجاوز اللحظة السياسية الآنية ليطرق جوهر الصراع بين العقل والعنف، وبين الإنسان وأخيه الإنسان. فالعنوان «أنا أنت في النجوى» يفتح منذ البدء أفق التماهي، ويؤسس لوحدة المصير والجوهر، حيث يذوب الـ«أنا» في الـ«أنت» ليشكّلا ضميرًا إنسانيًا واحدًا.
- الرؤية الفكرية
ترفض الشاعرة الحرب رفضًا أخلاقيًا صريحًا، لا بوصفها حدثًا عسكريًا فحسب، بل باعتبارها «لعبة مجنونة» تفتك بالكهل والفتى معًا، في صورة مكثفة تساوي بين الأعمار أمام عبثية الموت.
القصيدة هنا لا تكتفي بالإدانة، بل تُحاكم الحرب عقلًا ووجدانًا، وتستدعي نعمة العقل بوصفه أسمى ما يميز الإنسان:
> الله أكرمني بعقلٍ راجحٍ
يزنُ الأمورَ ويستحثُّ عُلاها
في هذا البيت يتجلى البعد القيمي؛ فالحرب خيانة للعقل قبل أن تكون خيانة للحياة.
- البنية الخطابية
تعتمد القصيدة أسلوب المخاطبة المباشرة (يا أخي – يا أنت)، وهو اختيار ذكي يجعل النص أقرب إلى رسالة أخلاقية أو مناجاة داخلية/خارجية في آنٍ واحد.
الاستفهام المتكرر (فعلامَ…؟ أوَأحمِلُ…؟) ليس بحثًا عن جواب، بل هو استنكار يعري منطق العنف ويكشف خواءه.
- الصورة الشعرية والرمز
أجمل تحولات النص تتجسد في الانتقال من البارود إلى الوردة:
> هذا سلاحي سوف أكسره لكي
بيديَّ أحملَ وردةً ونداها
هنا تبلغ القصيدة ذروة رمزيتها؛ فالسلاح يُكسَر لا يُستبدَل، في دلالة على القطيعة التامة مع العنف، والوردة ليست زينة بل بديل حضاري وأخلاقي.
- اللغة والإيقاع
اللغة واضحة، مباشرة، لكنها غير فقيرة؛ بل مشحونة بدلالات إنسانية عالية.
الإيقاع العمودي الرصين يمنح القصيدة نَفَسًا خطابيًا قريبًا من البيان الشعري، وهو ما يخدم موضوعها الاحتجاجي النبيل دون أن يفقدها شعريتها.
- الخاتمة والدلالة الإنسانية
تختم الشاعرة بنداء تطهيري:
> فلنعتصرْ في النفس دالية الهوى
وتعالَ نشربُ نخبَ مَن زكّاها
إنها دعوة إلى تزكية النفس بدل تسليحها، وإلى الاحتفال بالإنسان لا بقتله.
—
خلاصة
قصيدة «أنا أنت في النجوى» نص إنساني ناضج، يجمع بين وضوح الموقف وجمال التعبير، ويؤكد أن الشعر ما زال قادرًا على أن يكون ضميرًا حيًّا في زمن الخراب.
فاتن إبراهيم حيدر تكتب هنا لا باسمها فقط، بل باسم كل من آمن أن الوردة أبلغ من الرصاصة، وأن العقل آخر معاقل النجاة.
………………….
القصيدة
أنا أنت في النجوى
أنا لا أحبُّ الحربَ لا أهواها
وأراكَ مثلي لا تطيقُ لظاها
فعلامَ تأخذنا الدروبُ أيا أخي
لنسجّلَ الأهدافَ في مرماها
والحربُ أخطر لعبةٍ مجنونةٍ
تُودي بسالفِ كهلِها وفتاها
اللهُ أكرمني بعقلٍ راجِحٍ
يزنُ الأمورَ ويستحِثُّ عُلاها
فعلامَ قد ألقيتُ نفسِي هالكاً
بأتونِ حربٍ لا أريدُ رضاها
يا أنت يا ألقي وطِبقَ مرايتي
لولاكَ لم أعرفْ لنفسي جاها
لولاكَ لم أعرفْ كريمَ هويتي
أنا أنت في النجوى وأنتَ مداها
أوَأحمِلُ البارودَ في وجهِ امرءٍ
كي أرضيَ الشَّيطانَ أو أتباهى
هذا سلاحي سوف أكسره لكي
بيديَّ أحملَ وردةً ونداها
أُهدي عبيرَ الحُبّ للدنيا بها
وبوحيِ طيب أريجِها أتماهى
خذ يا أخي الإنسان قلبي أدمعي
قد خاب من للنفس قد دسّاها
فلنعتصرْ في النفس دالية الهوى
وتعالَ نشربُ نخبَ مَن زكّاها





