بعد عقد من الغياب عن “كرسي السلطة” الأول، يعود نوري المالكي ليتصدر المشهد السياسي العراقي من جديد، ليس كصانع ملوك هذه المرة، بل كمرشح مباشر لمنصب رئيس الوزراء. لكن عودة “الرجل القوي” التي تروج لها أطراف في الإطار التنسيقي لا تبدو نزهة سياسية، بل هي أشبه بالسير في حقل ألغام محلي ودولي، حيث تواجه هذه الخطوة تحديات قد تعصف باستقرار العراق الهش.
التحدي الأكبر والأكثر وضوحاً هو الموقف الأمريكي المتصلب في ظل إدارة الرئيس دونالد ترامب، التي عادت لتتعامل بلهجة “الحزم” مع النفوذ الإيراني في العراق، برز تحذير علني صريح من واشنطن: “لا مساعدة للعراق إذا عاد المالكي”.. بالنسبة للإدارة الأمريكية، يمثل المالكي حليفاً وثيقاً لطهران وإرثاً من السياسات التي تصفها واشنطن بـ”الفوضوية” هذا “الفيتو” يضع الاقتصاد العراقي – المرتبط عضوياً بالبنك الفيدرالي في نيويورك – تحت مقصلة العقوبات أو تقييد التحويلات المالية، وهو ما لا يقوى العراق على تحمله في ظل أزمته المالية الراهنة ..وعلى عكس ما يحاول أنصار المالكي تصويره، فإن ترشيحه لا يحظى بـ”الإجماع” حتى داخل الإطار التنسيقي.. التقارير الأخيرة تشير إلى تصدعات جدية؛ فالتنحي المفاجئ لمحمد شياع السوداني لم ينهِ الجمود، بل فتح الباب لصراعات داخلية.. أطراف وازنة مثل “عصائب أهل الحق” و”تيار الحكمة” بدأت تلمح إلى ضرورة البحث عن “شخصية أقل جدلاً”، خوفاً من فقدان المكتسبات التي تحققت في العامين الماضيين..وبالمقابل يظل صمت “النجف” و”التيار الصدري” بمثابة الهدوء الذي يسبق العاصفة؛ فالسيد الصدر وإن كان خارج البرلمان، لا يزال يمتلك مفاتيح الشارع القادرة على قلب الطاولة في أي لحظة..
إن إصرار المالكي على الولاية الثالثة هو “مغامرة وجودية” للإطار التنسيقي.. فإما أن ينجح في فرض “هيبة الدولة” التي ينادي بها، أو يدفع البلاد نحو عزلة دولية وصراع داخلي قد ينهي التجربة السياسية الحالية برمتها.. العراق في 2026 ليس عراق 2014، واللاعبون الدوليون والمحليون فقدوا الكثير من صبرهم .


