لم تعد الأزمة التي يعيشها ملايين العراقيين مجرد اضطراب اقتصادي عابر أو خطأ في الحسابات، فالنيو ليبرالية تعيد تشكيل المجتمع وفق منطق لا يهدف سوى للربح ولإحكام قبضة السلطة على مجتمع مُنهك، وتعمل على تفكيك كل ما تبقى من شبكات تضامن، كانت في يوم ما تتيح للناس القدرة على مقاومة الفقر أو التفكير في بديل. وتؤدي هذه العملية إلى تآكل الطبقة الوسطى، البرجوازية الصغيرة، اقتصاديًا وسياسيًا وفكريًا لتنضم الى صفوف الطبقة العاملة، بعد أن كانت لسنوات تُعامل في العراق من قبل السلطات الحاكمة، خاصة في ظل النظام السابق قبل دخول الاحتلال الامريكي، بوصفها «عماد المجتمع» أو «الضامن للاستقرار ورغم هذا التراجع الملحوظ في مستوى معيشتها، فما زالت — شرائح منها — تُعيد إنتاج خطاب يبرّر الأزمة المجتمعية الشاملة، عوضًا عن مواجهتها. فقد فقدت هذه الطبقة، التي تضم صغار التجار والحرفيين، وصغار الفلاحين، وبعض الموظفين والمهنيين (معلمين، مهندسين، أطباء…) خلال السنوات الأخيرة ما بين 35% و45% من قدرتها الشرائية وفق تقديرات صندوق النقد الدولي (1)، بينما ارتفعت معدلات الفقر إلى نحو 60% وفق تقديرات البنك الدولي لعام 2019 (2). ومع ذلك، فإن كثيرًا من أبناء هذه الطبقة يردّون على هذا الانهيار بردود تتراوح بين الإنكار والتبرير، وكأن ما يحدث قدرٌ غامض لا تفسير له، أو مشكلة فردية لا علاقة لها بالبنية السياسية والاقتصادية التي تُحكم قبضتها على المجتمع. ومن أكثر المواقف شيوعًا في تعليقات أبناء الطبقة المتوسطة ذلك الخطاب الفرداني الذي يحمّل الأفراد مسؤولية فقرهم. فيُقال إن «الفقر نتيجة سوء إدارة شخصية»، أو إن «الناس في الأسفل يرفضون ضبط الإنجاب»، أو إن «الفرص متاحة لمن يسعى هذه المقولات ليست «آراء شخصية»، بل انعكاس لوعي أيديولوجي مُنتج من أجهزة الدولة كما وصفها ألتوسير (3)، وهدفه تحويل الفقر من ظاهرة بنيوية إلى «ذنب فردي». بهذا الأسلوب يتم محو الطابع الطبقي للأزمة وتحويل ملايين الضحايا إلى متهمين. ويظهر أيضًا خطاب أكثر رجعية، يرى أن الطبقة المتوسطة «فوق» الصراع الطبقي، وأن الحديث عن الطبقية «خطاب عمال» لا يشملهم. هذا الموقف يُخفي حقيقة أن أغلب أبناء هذه الطبقة ليسوا سوى باعة “قوة عمل ذهني”، تمامًا مثل العمال اليدويين، الذين يتعالون عليهم. كما أن الوظائف الإدارية والمهنية التي بدت يومًا مستقرة ليست سوى مواقع هشّة داخل سوق عمل رأسمالي يحتقر العمل المنتج ولا يحمي من السقوط إلى ما تحت خط الفقر. إن إنكار الطبقية هنا ليس تحليلًا، بل دفاع نفسي عن وهم لم يعد موجودًا. ويتكرر خطاب آخر في التعليقات، مفاده أن «سقوط الطبقة المتوسطة سيؤدي إلى انفلات اجتماعي». هذه الفكرة — التي تُصوّر الفقراء كخطر وتُبرّئ الطبقة الحاكمة — ليست سوى استمرار لسياسات تفتيت الطبقات الشعبية وتشتيت وعيها، بحيث يتحول الغضب من الأعلى إلى الأسفل. وهذا بالضبط ما تخشاه السلطة: أن يدرك أبناء الطبقة المتوسطة والطبقات الفقيرة أن مصلحتهم واحدة، وأن عدوّهم ليس بعضهم بعضًا، بل البنية التي تُفقِرهم معًا. لكن كل هذا التشويه في الوعي لم يُنتج من فراغ. فقد توسّع النشاط الاقتصادي للمؤسسة العسكرية خلال السنوات الماضية، ليصبح مصدر رزق قطاعات من الطبقة المتوسطة مرتبطًا بالدولة مباشرة (4). وبذلك يتحول الخوف إلى أداة حكم: أي نقد للنظام لا يهدد «الاستقرار» وحسب، بل يهدد وظيفة ومصدر دخل وربما مستقبل عائلة بأكملها. ومع انسداد المجال السياسي وتجريف المجتمع المدني ومطاردة النقابات المستقلة، أصبح الناس أسرى بين إفقار مادي وإخضاع أيديولوجي. إن تسمية الأشياء بأسمائها اليوم ليست ترفًا: هناك طبقة تحكم وتستنزف، وهناك طبقات تُسحق. وهناك خطاب كامل يُستخدم لتبرير هذا الوضع. لكن حين يدرك الناس أن ما يعيشونه ليس قدرًا بل نتيجة، وأن النتيجة — لأنها مادية وتاريخية — قابلة للتغيير، يصبح الصمت آخر ما يمكن الدفاع عنه. فالوعي الطبقي ليس شعارًا. إنه بداية الطريق. وإن لم تبدأ الطبقة المتوسطة في رؤية نفسها في مرآة الحقيقة، فسيواصل النظام إعادة تشكيلها — لا طبقة وسطى، بل طبقة مسحوقة تُطلب منها الطاعة وتُمنع من الفعل.





