انتصار شاومي في ميدان السباق العالمي الشهير لأداء السيارات رمزا لصعود الصين السريع والمفاجئ نحو هيمنة الطاقة النظيفة
الولايات المتحدة لا تمتلك نظام الطاقة أو القدرة التصنيعية للصين لذلك لم تكن هناك بنية تحتية سهلة لآبل للاستفادة منها
أصبحت للصين شبكة إنترنت محلية ربطت بسرعة جميع السكان تقريبا وفي نفس الوقت تحكمت أو حجبت ما لا تريد لشعبها رؤيته من الخارج
وقد مكن تطوير شبكة الإنترنت من تحقيق فوائد هائلة للقطاعات الصناعية في الصين وإنشاء نظام بيئي عالي التقنية
وكالات / النهار
في منطقة غرب ألمانيا وفي ولاية رايلاند-بفالتس، تقع مرتفعات جبلية تحيط بها غابات كثيفة إحداها تسمى حلبة نوربورغرينغ، أو “الجحيم الأخضر” بسبب خطورتها.
وقد أخذت هذه الحلبة شهرتها من كونها مخصصة لاختبار أداء السيارات لشركات كبرى مثل “بي إم دبليو” ومرسيدس وبورش.
وفي سباق 2025، شهدت الحلبة حدثا جديدا في اختبار أداء السيارات الكهربائية حيث استطاعت شاومي الصينية -التي صنعت أول سيارة لها قبل عام- أن تفوز بالسباق بعد أن قطعت المسار المخصص لذلك في 7 دقائق و5 ثوان، محطمة بذلك الرقم القياسي السابق الذي حققته بورش في 7 دقائق و7 ثوان.
وكان انتصار شاومي -المشتهرة أصلا بالهواتف والأجهزة المنزلية- في ميدان السباق العالمي الشهير لأداء السيارات رمزا لصعود الصين السريع والمفاجئ نحو هيمنة الطاقة النظيفة والتفوق التكنولوجي الهائل.
ويعكس صعود شركة شاومي الصينية -التي لا يصل عمرها إلى 20 عاما- منافستها الشرسة مع آبل الأميركية التي أوقفت العام الماضي مشاريع لتطوير السيارات الكهربائية بعد عقد من العمل عليها.
ويعني التنافس بين آبل وشاومي في الميادين التكنولوجية -واكتساح الشركة الصينية لأسواق المبيعات على حساب غريمتها الأميركية ذات العمر الطويل- جزءا بسيطا من النجاح الصيني في الصعود بمجال التصنيع، وهو نجاح لم تستطع الولايات المتحدة عرقلته.
وكان هذا الموضوع محورا لدراسة نشرها مركز رؤى للدراسات والبحوث بورقة تحمل عنوان “أسباب الصعود الصيني والإخفاق الأميركي في عرقلته أو إيقافه”.
بين آبل وشاومي
بدأت الدراسة في استعراض مسيرة شاومي لتبرهن على قوة صعودها وهيمنتها رغم حداثتها بالسوق، حيث أشارت إلى أنها تأسّست عام 2010 في بكين على يد المهندس ورائد الأعمال لي جون (Lei Jun) وعدد من المهندسين السابقين في غوغل وموتورولا، برؤية “ابتكار تكنولوجيا عالية الجودة بأسعار في متناول الجميع”.
وخلال سنوات قليلة أصبحت شاومي العلامة رقم 1 في الصين، ثم توسعت إلى الهند، وأوروبا، والشرق الأوسط، وبحلول عام 2021، تفوقت على آبل لفترة قصيرة لتصبح العلامة رقم 2 عالميا في مبيعات الهواتف بعد سامسونغ.
وعام 2021، أعلنت شاومي رسميا دخول قطاع السيارات الكهربائية الذكية، وقد أطلقت عام 2024 أولى سياراتها “شاومي إس يو 7” (Xiaomi SU7) وهي المنافس الصيني المباشر لتسلا الأميركية، وحقّقت السيارة رقما قياسيّا في حلبة سباق نوربورغرينغ 2025 لتثبت قوتها في الأداء والهندسة.
أما شركة الحوسبة الأميركية العملاقة (آبل) فقد فكّرت عام 2014 في تطوير السيارات الكهربائية، وكان ذلك مناسبا لقدرتها المالية، إذ بلغت قيمتها السوقية ذلك الوقت 600 مليار دولار، ووصل احتياطها النقدي إلى 40 مليارا، مما يفوق بكثير الموارد المالية لشاومي.
ولكن الولايات المتحدة لا تمتلك نظام الطاقة أو القدرة التصنيعية للصين، لذلك لم تكن هناك بنية تحتية سهلة لآبل للاستفادة منها.
ونتيجة لذلك، وعام 2024، أوقف مجلس إدارة آبل تطوير السيارات الكهربائية الذي استمر عقدا من الزمان، وقامت بتسريح ثلث الفريق الذي تم تخصيصه للمشروع، ووجه الباقي لمجالات الذكاء الاصطناعي.
ونبّهت الدراسة إلى أن المنافسة بين آبل وشاومي في مجال السيارات الكهربائية يلخص قصة الصعود الصيني والتخبط الأميركي في مواجهته أو عرقلته، الأمر الذي يطرح تساؤلا حول مدى إمكانية الاستمرار الصيني في الصعود المذهل، وهل ستبقى الولايات المتحدة حائرة في كيفية عرقلته أو إيقافه؟
أسباب صعود النموذج الصيني
هنالك العديد من الأسباب التي جعلت النموذج الصيني في المجال التصنيعي يتزايد بوتيرة لافتة للانتباه السنوات الأخيرة رغم التفاؤل الكثير في الغرب بتباطؤ الاقتصاد الصيني وعجزه عن تجاوز الولايات المتحدة كأكبر اقتصاد في العالم، ومن أهم هذه الأسباب:
1- الاكتفاء الذاتي في التصنيع والتقدم التكنولوجي
تقف وراء هذا الهدف الإستراتيجي إرادة سياسية صارمة، ففي عام 2015 كشف المخططون في بكين عن خطة “صنع في الصين 2025” وهو برنامج طموح جدا لقيادة صناعات المستقبل.
وهدفت الخطة إلى تطوير التصنيع الصيني في قطاعات الطاقة والمواد عالية التقنية، كما هدفت إلى تقليل اعتماد البلاد على الواردات والشركات الأجنبية، وتحسين القدرة التنافسية للشركات الصينية بالأسواق العالمية.
وأكدت الحكومة الصينية هذه الرؤية بدعم مالي هائل، حيث أنفقت ما بين 1% و2% من الناتج المحلي الإجمالي سنويا، لتنجح بسبب هذه الجهود في الهيمنة على سوق الطائرات المسيرة، ومجالات الأتمتة الصناعية.
2- الاستثمار بالبنية التحتية العميقة
ومن أبرز الأسباب التي جعلت النموذج الصيني يصعد بسرعة تركيز الدولة على الاستثمار في الأنظمة المادية الأساسية التي تُمكّن من الابتكار والإنتاج الفعّال، ويتكون جزء من هذه البنية التحتية من أنظمة النقل، مثل الطرق والسكك الحديدية والموانئ.
وفي الـ30 عاما الماضية، أنشأت الصين شبكة وطنية من الطرق السريعة يبلغ طولها ضعف طول شبكة الطرق السريعة بين الولايات الأميركية، وشبكة قطارات فائقة السرعة يبلغ طول مساراتها أميالا أكثر من بقية دول العالم مجتمعة، وشبكة هائلة من الموانئ أكبرها في شنغهاي التي ينقل منها من البضائع أكثر من جميع موانئ الولايات المتحدة.
وقارنت الدراسة بين شبكة الطرق السريعة وشبكات القطار فائق السرعة في الولايت المتحدة والاتحاد الأوروبي والصين، لتكشف أن الأخيرة لديها 190 ألف كيلومتر نهاية 2024، بينما لا تتجاوز الولايات المتحدة 78.7 ألف كيلومتر، والاتحاد الأوروبي 75 كيلومترا.
3- النجاح في تطوير الشبكة الرقمية
أصبحت للصين شبكة إنترنت محلية ربطت بسرعة جميع السكان تقريبا، وفي نفس الوقت تحكمت -أو حجبت- ما لا تريد لشعبها رؤيته من الخارج.
وقد مكن تطوير شبكة الإنترنت من تحقيق فوائد هائلة للقطاعات الصناعية في الصين وإنشاء نظام بيئي عالي التقنية.
4- التقدم في المجال الكهربائي
أصبحت الكهرباء أساس البنية التحتية الصينية. وعلى مدار العقود الثلاثة الأخيرة، قادت الصين العالم في بناء محطات الطاقة، وتنتج الآن كهرباء سنويا أكثر مما تُنتجه الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي مجتمعين.
وقد مكّن هذا الإمداد الوفير من الطاقة من النمو السريع لأنظمة النقل المعتمدة على الكهرباء، وتحديدا السكك الحديدية عالية السرعة والسيارات الكهربائية.
وبالإضافة للأسباب المذكورة هنالك عوامل أخرى مثل القوة العاملة الصناعية، والطموح المتزايد لرواد الأعمال، والخروج من عنق العقوبات والقيود الأميركية على تصدير رقائق الذكاء الاصطناعي.
ولا تعني هذه الأسباب القوية أن البرامج والخطط الحكومية قد نجحت تماما، بل عانت من بعض النتائج السلبية للدعم الحكومي السخي الذي أدى لكثير من حالات الهدر والفساد الحكومي.
أسباب الإخفاق الأميركي في عرقلة الصعود الصيني ومن أهم تلك الأسباب:
1- النظرة الدونية إلى الصين
لا يزال بعض القادة الأميركيين لديهم نفس الانطباعات والأفكار القديمة عن الصين وتخلفها الصناعي والتقني، وبالتالي يعيشون في غفلة عن التغيرات الهائلة التي حدثت فيها.
2- سيطرة الولايات المتحدة في المجال التكنولوجي
يعتبر تفوق الولايات المتحدة في العديد من المجالات المهمة، مثل البرمجيات، والتكنولوجيا الحيوية، والذكاء الاصطناعي، بالإضافة إلى منظومة الابتكار التي تقودها الجامعات الأميركية، من أهم العوامل التي جعلت واشنطن لا تهتم بالصعود الصيني.
3- تخلف الولايات المتحدة بالبنية التحتية مقارنة مع الصين
لم تقم الولايات المتحدة بتجديد بنيتها التحتية التي تم تشييدها أواخر القرن الـ19 والنصف الأول من القرن العشرين، وازداد الأمر سوءا بأنها لم تُنشئ بنية تحتية عميقة كافية بالتحديات التكنولوجية الهائلة للقرن الحالي.
4- انكماش القطاع الصناعي الأميركي
ومن ضمن الأسباب الأساسية في الإخفاق الأميركي في عرقلة الصين أن القطاع الصناعي الأميركي يواصل انكماشه وسط تأخيرات في المنتجات، وتسريحات للعمال، وتراجع في جودة الإنتاج.
وبالإضافة لهذه الأسباب، فإن هنالك تحديات للشركات الأميركية تتمثل في توفير العمالة المنخفضة الأجر التي توجد في الصين والهند.
وأشارت الدراسة إلى أن قرار الرئيس الأميركي دونالد ترامب الأخير فرض رسوم جمركية على الصين تصل إلى 100%، إذ قد تترتب عليه آثار واسعة ومعقدة.
ورغم أن دوافع القرار تتركز في مواجهة السيطرة الصينية على المعادن النادرة وسلاسل التوريد الإستراتيجية، فإن أمامه عوائق وعوامل تُحدّ من فعاليته، مما يجعله يصب في نفس السياسات الارتجالية التي تحاول عرقلة الصعود الصيني، دون تصور متكامل، وجهود سياسية منسقة، وبالتالي لا يُتوقع أن يغير شيئا.
وخلصت الدراسة إلى أن واشنطن في الوقت الحالي مكتوفة الأيدي في وجه تقدم قطاعي التكنولوجيا والتصنيع في الصين، وتكتفي بعرقلته بدلا من التركيز على إيجاد بيئة مناسبة للابتكار والتصنيع، وإذا استمرت الولايات المتحدة في الانسحاب من النظام العالمي ومؤسساته فإن الصين لا محالة ستملأ ذلك الفراغ.
واجتمع مسؤولون أميركيون وصينيون مجددا في جنيف لاستئناف المحادثات بهدف تهدئة الحرب التجارية التي تهدد بإلحاق ضرر جسيم بالاقتصاد العالمي، وذلك حسبما قال مصدران مطلعان لوكالة رويترز.
واجتمع خه لي فنغ نائب رئيس الوزراء الصيني 8 ساعات تقريبا أمس السبت مع وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت والممثل التجاري الأميركي جيميسون جرير، في أول اجتماع مباشر لهما منذ تبادل أكبر اقتصادين في العالم فرض رسوم جمركية تزيد كثيرا على 100% على السلع.
ولم يعلق أي من الجانبين أمس السبت على فحوى المناقشات أو يشير إلى أي تقدم ملموس نحو خفض الحواجز التجارية الكبيرة مع اختتام الاجتماعات في مقر إقامة سفير سويسرا لدى الأمم المتحدة.
لكن الرئيس الأميركي دونالد ترامب أشاد لاحقا بالمحادثات، قائلا إن الجانبين تفاوضا على “إعادة ضبط كاملة (للعلاقات التجارية)… بطريقة ودية ولكن بناءة”.
وكتب ترامب على منصة تروث سوشيال للتواصل الاجتماعي “كان اجتماعا جيدا للغاية مع الصين اليوم في سويسرا. ناقشنا الكثير من الأمور واتفقنا على الكثير”.
وأضاف “نريد أن نرى انفتاحا صينيا على الشركات الأميركية، من أجل مصلحة الصين والولايات المتحدة. تم إحراز تقدم كبير”.ولم يذكر ترامب تفاصيل عن التقدم الذي تم إحرازه.
واختيرت سويسرا موقعا للاجتماع بعد مقترحات ساسة سويسريين خلال زياراتهم الأخيرة إلى الصين والولايات المتحدة.
تصعيد متبادل
وتأتي اللقاءات بعد أسابيع من التصعيد الخطابي المتبادل، الذي سعى فيه كل طرف لتصوير الآخر على أنه الأضعف والأكثر حاجة للاتفاق.
ورغم أجواء التحدي الظاهرة، تشير المعطيات إلى وجود رغبة متبادلة في كسر الجمود، دون أن يبدو أي طرف كأنه تراجع.
ويوضح ستيفن أولسون الزميل الزائر في معهد “يوسف إسحاق” والمفاوض التجاري الأميركي السابق أن “المحادثات تنطلق الآن لأن الجانبين يعتقدان أنه بإمكانهما التحرك دون أن يُفهم الأمر كخضوع للآخر”.
وأعلن ترامب إمكانية خفض الرسوم الجمركية على الصين من 145% حاليا إلى 80%.
وفي هذا السياق، سعت بكين وواشنطن إلى رسم الرواية الخاصة بكل منهما عن خلفيات انطلاق الحوار. فقد شدد المتحدث باسم الخارجية الصينية لين جيان على أن المحادثات جاءت بطلب أميركي، بينما وصفت وزارة التجارة الصينية الخطوة بأنها استجابة مباشرة لـ”نداءات الشركات والمستهلكين الأميركيين”.
وفي المقابل، تبنّى الرئيس الأميركي خطابًا مناقضا، حين قال من البيت الأبيض إن “الجانب الصيني هو من يريد بشدة إتمام الاتفاق لأن اقتصادهم ينهار”، مضيفا بسخرية “إذا كانوا يقولون إننا من بدأ، فعليهم مراجعة أرشيفهم جيدا”.





