ذكريات مع الأستاذ حسين عبد الرؤوف الخليل / د. مصطفى لطيف عارف

هيئة التحرير25 نوفمبر 2025آخر تحديث :
ذكريات مع الأستاذ حسين عبد الرؤوف الخليل / د. مصطفى لطيف عارف

تمتد علاقتي مع أستاذي الكبير فخر اللغة العربية المربي المفضال الأستاذ حسين عبد الرؤوف منذ أواخر الثمانينيات إذ كنت طالبا في الصف الخامس أدبي , وكان مدرسا للغة العربية في إعدادية الجمهورية الأستاذ حسين صاحب الشخصية القوية الظاهرة لكل من عاشره ,وتعامل معه من أصدقاء مقربين  وطلبته, يخشاه الجميع ولا يستطيع احد التقرب إليه في الدوام الرسمي , ولكنه طيب القلب يتميز بشفافية ورومانسية عالية خصوصا إذا زاره احد طلبته قادما من جامعته  يقوم له إجلالا وتقديرا ,ويطبع قبلته على خذه , ويعود إلى درسه , وعندما يخرج من المدرسة حتى يصل إلى بيته يلقي التحية والسلام على الجميع  0

في بعض الدروس التي يكمل فيها المادة العلمية يقرأ لنا أشعار نزار قباني الرقيقة والجميلة ما زالت إلى الآن علق في ذهني قصيدة بلقيس التي ألقاها علينا نهاية الدرس بصوته الجهوري وتمكنه من اللغة العربية وتحريك الكلمات والحروف إثناء الإلقاء إذ يخلق جوا رومانسيا مفعما بالحب والحياة , خلق لنا خيالا  واسعا في المرحلة الإعدادية 0

كان يحثنا على القراءة والتطور العلمي حتى انه في الامتحان الشفوي يسال كل طالب عن آخر كتابه قراه وأتذكر سألني هذا السؤال وكان جوابي ( الإمام علي أسد الإسلام وقديسه ) لروكس بن زائد العزيزي 0

كان له الفضل الأول في دخولي كلية الآداب قسم اللغة العربية لأنني في بداية حياتي كنت اعشق التاريخ , واكره العربية لكن حبي له وتأثيره علي, جعلني أحب العربية بعد أن فتح لي قلبه ومكتبته على مصراعيها , واهداني كتابه في الأدب العباسي لمحمد مهدي البصير يزين مكتبتي ويذكرني به إلى الآن 0

لم تنقطع علاقتي معه حتى عندما انتقل إلى مدينة الحلة كنا نتواصل , حتى عودته الميمونة إلى مدينته الناصرية 0

وفي يوم من الأيام وإثناء احتفالات المدرسة بمولد الحزب , قال عريف الحفل الآن  يقوم الأستاذ حسين عبد الرؤوف بإلقاء قصيدته ,والمشاركة معنا في يوم ميلاد الحزب , والعريف لم يأخذ موافقته وأحرجه كثيرا ,وكان الحضور على مستوى القيادة القطرية  تقدم الأستاذ حسين إلى المنصة وقال هذه القصيدة :للشاعر محمد الفيتوري 0

زمني قاسي كلمات

 

آه لو أعرف من أي الأفاق تهب الريح

لكنت سبقت الريح

و كنت نشرت على جنبات الأفق ردائي

من أقصاه إلى أقصاه

لأحجب ريح الحزن القادم عن عينيك

و أنصب عرشك فوق الشمس

و أعزف موسيقاي محباً في ملكوت الله

آه لو أقدر كنت ملأت حديقتنا الجرداء

بالزنبق و الدفلي

و كنت غسلت كآبات الفقراء

من أجلك يا عيني

لكني لا أملك إلا الكلمة في شفتي

و حينا أنقشها مثل المجنون على صفحات الماء

زمني قاس

زمني جلاد لا يرحم

زمني قاس

زمني وجه يتفجر من شفتيه الدم

زمني قاس

زمني يا أخت هواي أصم

يخنقني كي لا أتكلم

و أنا أنسان يتألم

و أنا أبصر أسمع أعلم

أعلم أن الحرية تحكمها القطبان

أعلم أن شعوباً ما زالت تتبنى الأوثان

أعلم أن التوراة تموت و تولد في الإنسان

أعلم أني لا شيء سوى ظلمات

لا شيء سوى روح مظلم

لو ماتت في شفتي الكلمات و لو أطبقت عليها الفم

زمني قاس

موسم جوع و جبال ذهب

زمني يا أخت هواي أصم

 

ضجت القاعة بالتصفيق من الجميع , وعوقب عريف الحفل على هذا الموقف الذي تسبب في إحراج القيادة العليا للحزب 0

وفي اليوم الثامن من نيسان عام 1989 دخل إلى صفه ,وكتب على السبورة موضوع (النفي) للصف السادس الأدبي , بدأ بكتابة الأمثلة ,ضرب باب الصف بقوة ودخل عليّه مجموعة أشخاص يرتدون ملابس مدنية  ,ويحملون أسلحة خفيفة قال كبيرهم:  أنت حسين رؤوف؟  قال : له  نعم :  ؟  سحبه بقوة ,وقيد يديّه أمامنا , وهذا المنظر ما زال إلى الآن يذكره ,وكيف انهارت قواها من الاهانة التي وجهت إليّه من قبل بعض النكرات ,عندما شاهد المنظر رزاق عباس خرج من صفه  واتجه نحوي ,وترك الدرس سلمان خلف واقبل عليّ  بسرعة فائقة , وسقط الطباشير من يد  احمد محمد  صالح عندما علم بالخبر ,وجاء مدير المدرسة حيدر بغدادي مسرعا إلى المجموعة , والتف حولي الجميع من الأساتذة ,والطلبة ,وحدثت فوضى عارمة في المدرسة من عملية اعتقالي داخل المدرسة ,وهذا بحد ذاته مخالف للقانون 0

سال مدير المدرسة  كبيرهم : ما القضية؟ ولماذا يتم اعتقال أستاذ حسين؟  قال كبيرهم:  لدينا أوامر من الجهات العليا بإحضاره فورا,  وتم تعصيب عينيّ , أدخلوني في سيارة صغيرة قديمة , وتم نقلي  إلى مديرية الأمن العام , أنا لا أرى أي شيء ,لكني اسمع كل شيء ,وبدقة متناهية  في الحديث الذي جرى داخل السيارة ,وكان بلغة غير مفهومة ,وكأنها الغاز, وصلنا إلى المكان المطلوب  قال كبيرهم: سيدي لقد القينا القبض على الهدف المطلوب, وهو الآن معنا ماذا نصنع به ؟ لم يتكلم بل اصدر أمره عن طريق إشارة بينهما فهمت منها زجي في الزنزانة رقم 2, وهي غرفة مظلمة لا يدخلها الهواء ,وأشعة الشمس ريحها نتنه ,وفيها كتابات ,وذكريات قديمة لمعتقلين سابقين لم تتجاوز مساحتها أكثر من مترين  تم وضعي فيها , وزجني الضابط بقوة ,وأغلق باب الزنزانة عليّ0

بدأت التفكير ما تهمتي التي اعتقلت من اجلها ؟ ولماذا أنا هنا؟  في هذه الزنزانة اللعينة, بقيت لمدة يومين متتالين دون طعام أو شراب, ومن شدة التعب استلقيت على الأرض ,وغفوة حلمت في بداية شبابي عندما  انتميت إلى الحزب الشيوعي العراقي حزب الكادحين ,والعمال ,والطبقات الفقيرة, كانت مشاركاتي  في كل مناسباته الوطنية ,وتذكرت لقائي الأول( بفهد) مؤسس الحزب الشيوعي في مدينة الناصرية0

وفجأة شعرت بضربة قوية على ظهري استيقظت مرعوبا منها ,تم سحبي بقوة وتقيدي, وشد عينيّ دون أي كلام ,وأنا منهك القوى 0

أحسست  بدخولي إلى غرفة التحقيق فيها عدة أشخاص ,وضابط التحقيق الذي يتكلم باللهجة الغربية سمعته يقول: ( يا ول خلي يجلس هينه)  جلست على كرسي حديد قديم جدا يحدث صوتا مزعجا إثناء الجلوس عليه 0

قال لي ضابط التحقيق : ما اسمك ؟ : حسين عبد الرؤوف 0

أين مسقط راسك وميلادك أجب بسرعة ؟ : الناصرية 1943 0

مكان عملك : مدرسة الجمهورية للبنين 0

مكان الإقامة : منطقة الشرقية 0

قلت لضابط التحقيق : ما تهمتي ؟ ولماذا أنا هنا معتقل ومقيد ؟

أجابني قائلا : أنت لا تسال نحن فقط من يسال ,( يا ول ليش تكول الناصرية الحبيبة , وأنت ابن الشجرة الخبيثة )0

قلت لضابط التحقيق : الناصرية أنجبت كبار الشعراء, والأدباء, والفنانين  والمناضلين, والسياسيين ,ونحن نفتخر بها ولا يجوز نعتها بالشجرة الخبيثة, لأنها الشجرة المثمرة على أهلها ,الخبيثة على أعدائها 0

قال ضابط التحقيق : الم يعيين الحزب ولدك حارث ضابطا في الجيش العراقي الباسل ؟0

(هذا جزاء الحزب لأنه تعاون معك , أحجي لا تسكت جاوب يله )0

قلت له : تم تعيين ولدي حارث , لديه ميول عسكرية منذ صغره , شجعته على الدفاع عن  بلدنا العراق العزيز, وهذا حقه الطبيعي كمواطن عراقي يعمل في دولته ,وليس لكم الفضل في ذلك 0

قال ضابط التحقيق : علمنا من مصادرنا المقربة انك ألقيت أمس قصيدة ضد الدولة ,والحزب الحاكم0

لماذا ؟

لم اقرأ قصيدة ضد الحزب ؟ سوف أخبرك بالحقيقة التي لم تصلكم 0

كنت جالسا مع صديقي احمد محمد صالح ,وقام عريف الحفل ,وهو احد عناصر الحزب, ومدرس معنا  قال يتفضل الآن الشاعر حسين عبد الرؤوف بإلقاء قصيدته    أمام الجميع , ولم يأخذ موافقتي, أحرجني الموقف جدا فقمت ,وألقيت قصيدة الشاعر محمد مفتاح الفيتوري , قاطعني أحداهم ,وهذه القصيدة الم تمس الدولة ,والقيادة الحكيمة ؟

قلت لا هي تتحدث عن الشعب السوداني 0

سمعت صوتا بعيدا سيدي القصيدة ضدنا ,انظر التجاوز الواضح علينا 0

فقال بصوت غاضب اقرأ هذه القصيدة الملعونة ؟ :

فقلت : قال الشاعر محمد مفتاح :

زمني قاس

زمني جلاد لا يرحم

زمني وجه يتفجر من شفتيه الدم

زمني يا أخت هواي أصم

يخنقني كي لا أتكلم

وأنا إنسان يتألم

 

وإثناء القاء القصيدة, شعرت بصفعة قوية على خدي الأيمن قلبتني أنا ,والكرسي الذي يحملني على الأرض سقطت بقوة تهشم انفي , وشعرت بالدم يجري منه ,  وسقط مني قلمي الحبر (الباكر)  الذي كان صديقي, وسلاحي لمدة أربعين عاما اكتب فيه ,واعبر بكل حرية عن أفكاري ,ومبادئي التي دافعت عنها سنين طويلة لكنه مع شديد الأسف تم سحقه من قبل ضابط التحقيق , وقال لي : بالحرف الواحد هذا سلاحك ,وتم تدميره 0

حملني عناصر الأمن على الكرسي بمواجهة ضابط التحقيق (يا وال أنت إنسان تتألم على شني على خيانتكم للقيادة زين من عدنه ما عدمناكم كليلتكم يا خونه ) 0

شوف التقارير المكتوبة عنك  من عناصرنا السرية 0

إن المدعو حسين عبد الرؤوف احد عناصر الحزب الشيوعي الذي  ينشر الثقافة بين طلابه, وهذا يؤدي إلى نشر الوعي المعرفي ,ولكم الأمرسيدي0

أنت شعليك,  بالطلاب أدي واجبك , واطلع0

وأردف قائلا:  تدري كلمة الثقافة نموت منها ,تعرف ليش لأنها تخلق جيلا مثقفا يقف بوجهنا ,ويحاسبنا ,ونحن نريد شعبا جاهلا همه قوته اليومي فقط افتهمت 0

وتوجيهات القيادة العليا تجهيل الشعب وترييف المدن مو جايني  تريد تسوي طلابك مثقفين0

تريد تخلق لك قاعدة شعبية تريد تصير قائد أحجي ليش ساكت شدني من قميصي ليش تقرا قصائد داخل درسك ,أنت جاي تخلق أجيال مثقفة, وهذا ضد عملنا ,ودورنا القيادي 0

وردنا تقرير من الجهات الأمنية انك تؤجج طلبتك من خلال أسئلتك الامتحانية أيضا وجدنا في أسلتك للصف السادس الأدبي توجهينا خفيا من خلال النص الشعري الذي كتبته ,وقلت فيه :

قال الشاعر ساخطا على زمانه :

يا زمانا البس الأحرار ذلا ومهانه

لست عندي بزمان إنما أنت زمانه

كيف نرجو منك خيرا والعلا فيك مهانه

ااجنون ما نراه منك يبدو  أم مجانه

قال ضابط التحقيق : أي زمان تقصد الذي البس فيه الأحرار الذل ,والمهانه؟

هل تريد لبعض المتسكعين من جماعتك يحكمون العراق العظيم؟  تم توجيه ضربة أخرى قوية أصابت عيني, ووجهي شعرت بقوة الدم يتدفق منهما 0

صاح ضابط التحقيق: (ولك أنت الشر وكي أهل (الجا) هم تحجي, والله لو بيدي أبيد الناصرية عن بكرة أبيها)  0

قلت له : والدم يسيل على وجهي نحن اثقف مثقفين العراق و(الجا) شرف لنا ,ونفتخر بها لأنها أخت  الــ (لا) التي هزت عروشكم ,ووقفت بوجهكم , وسوف تدمركم 0

قال : الذي شفع لك إخلاصك في العمل, سنطلق سراحك وتكون تحت عيوننا ,        و نعتقلك متى نشاء, سنوقعك على تعهد  بعدم المساس بأمن الدولة وتثقيف الطلبة

وإلا سوف ندخلك الزنزانة ,ولن تخرج منها إلى الأبد 0

تم توقيعي على ورقة بيضاء تحولت إلى حمراء بسبب الدماء التي تخرج من وجهي وجمسي , وأطلق سراحي ليلا 0

وصلت للبيت منهك القوى ,دمرت نفسيتي ,وحطمت من قبل بعض أرذال القوم , استقبلتني زوجتي بفرح غامر, واحتضنني أولادي دخلت بيتي ونمت نوما عميقا

في اليوم التالي عرضت  بيتي للبيع في منطقة أور, وأردت العودة إلى منطقة الصبا الشرقية إلا أن ارتفاع الأسعار حال دون ذلك , جعلني اختار ابعد محافظة للعيش فيها قدمت نقلا إلى مدينة الحلة ,باشرت فيها مدرسا للغة العربية , بقيت سنوات عدة ادرس بنفس الإخلاص والجدية 0

أصبت بحزن شديد على فراق مدينتي الحبيبة الناصرية  تعودت التجوال فيها ,ولقاء الأصدقاء, والأحبة ,لكن الظروف المريرة أجبرتني على تقبل الأمر, والتعايش معه   إذ فقدت ولدي العزيز( بسيم) في الحلة , وبعد إحالتي على التقاعد قررت أن اكتب ديوانا شعريا اذكر فيه المواقف, والمناسبات التي مرت في حياتي 0

وظهر اسمي في قائمة الحج لهذا العام,  وأديت مناسك الحج على أتم وجه, وصورة ,وكنت أسافر إلى مدينة الناصرية في بيت أختي (أم رعد) لقضاء مدة زمنية طويلة تشمل العطلة الصيفية كلها ,التقي مع  أصدقائي القدماء خالد صبر, وخالد حنتوش, واحمد محمد صالح , ودكتور مصطفى لطيف في مقهى كاظم فرهود المقام على كورنيش الفرات, نتبادل الشعر ,والسياسة ,والظروف المريرة التي يمر بها بلدنا الغالي ,وفي تلك المدة كنت أصلي مع الشيخ محمد حسن عليوي المعروف بــ( أبي عفاف) في جامع وحسينية أهل البيت عليهم السلام في التسعينيات 0

تفرغت لكتابة الشعر اللاذع بحق المجرمين ,واللصوص والسراق ,

أصبت بجلطة دماغية عجزت عن الحركة ,والكلام كم ألمتني قساوة المرض ,  وأنا احمل على كرسي متحرك اشعر بالخجل من اقرب الناس إليّ ,واشعر بنظرة  العطف, والشفقة ,والرحمة إليّ من قبل الآخرين 0

كنت اجلس في باب داري اتامل وجوه المارة من أمامي ,وأنا أتألم بصمت على عجزي عن الكلام , والمشي 0

أزعجني كثيرا ذلك الموقف ,وطلبت من الله سبحانه وتعالى أن يريحني ,ويلحقني بولدي الشاب (بسيم) وتحقق لي ما أردت , ورحلت عن هذه الدنيا الفانية  في 26/6/2020 وانتهت حياتي 0                   

الحديث عن القامة الأدبية الأستاذ حسين عبد الرؤوف يحتاج إلى كتب , ولكن وضعي الصحي الحالي جعلني اجل الحديث عنه إلى وقت آخر0

 

 

 

 

 

 

 

 

عاجل !!