حذّرت رئيسة المجموعة كومفورت إيرو من أن السنوات المقبلة قد تكون الأصعب على الاتحاد منذ عقود
يعيش الاتحاد الأوروبي حالة من “الاختبار السياسي” المستمر في ظل توازن هش بين موسكو وواشنطن؛ فالأوروبيون يجدون أنفسهم أمام معضلة مزدوجة
ترامب أن بلاده لم تنسحب من الحلف إلا أن تصريحاته المتكررة التي توحي بأن الولايات المتحدة “خارج” الناتو تثير قلق العواصم الأوروبية
تحاول أوروبا أن توازن بين الحفاظ على الردع في وجه روسيا وتجنّب التصعيد العسكري الذي قد يجرّ القارة إلى مواجهة أوسع
أسهمت أوروبا في الحفاظ على تدفق السلاح والمعلومات الاستخبارية إلى أوكرانيا، رغم قرار واشنطن بعدم تمويل شحنات الأسلحة مستقبلا وترك التكلفة على عاتق الحلفاء
وكالات / النهار
واجه الاتحاد الأوروبي سلسلة من الأزمات، خلال الأشهر الماضية، تمكّن من اجتيازها بصعوبة، ولكن التحديات المقبلة تبدو أكثر تعقيدا وتشابكا.
ففي ظل حرب مستمرة في أوكرانيا، وتنامي التهديدات الروسية، وتحوّل الولايات المتحدة تحت قيادة دونالد ترامب إلى قوة تحرف تقاليدها الدبلوماسية، تجد أوروبا نفسها مضطرة إلى إعادة تعريف دورها الأمني والسياسي داخل النظام الدولي.
وفي تقرير نشرته مجموعة الأزمات الدولية، حذّرت رئيسة المجموعة كومفورت إيرو، من أن السنوات المقبلة قد تكون الأصعب على الاتحاد منذ عقود، إذ عليه موازنة متطلبات الأمن الجماعي مع مخاطر الانقسام الداخلي وتراجع الثقة بالضامن التقليدي؛ الولايات المتحدة الأميركية.
منذ مطلع عام 2025، يعيش الاتحاد الأوروبي حالة من “الاختبار السياسي” المستمر في ظل توازن هش بين موسكو وواشنطن؛ فالأوروبيون يجدون أنفسهم أمام معضلة مزدوجة:
1-الحاجة إلى ردع روسيا دون الانزلاق إلى مواجهة مباشرة.
2-الحفاظ على وحدة حلف شمال الأطلسي (الناتو).
وتواصل روسيا اختبار صبر الحلفاء الأوروبيين بتكثيف هجماتها السيبرانية والتوغلات الجوية، كما حدث في سبتمبر/أيلول الماضي عندما دخلت طائرات “ميغ-31” الأجواء الإستونية، وأرسلت موسكو سربا من طائرات مسيّرة نحو بولندا. وبينما تنفي روسيا هذه الاتهامات، يرى الأوروبيون فيها جزءًا من إستراتيجية ضغط تهدف إلى تقويض دعمهم كييف.
ومن جهة أخرى، تتراجع الولايات المتحدة عن دورها التقليدي كضامن رئيسي لأمن القارة الأوروبية ففي وقت تتزايد فيه الشكوك في انسحاب واشنطن من الناتو، أكد ترامب أن بلاده لم تنسحب من الحلف، إلا أن تصريحاته المتكررة التي توحي بأن الولايات المتحدة “خارج” الناتو تثير قلق العواصم الأوروبية وتضعف الثقة في استمرارية الوضع القائم.
في المقابل، تحاول أوروبا أن توازن بين الحفاظ على الردع في وجه روسيا وتجنّب التصعيد العسكري الذي قد يجرّ القارة إلى مواجهة أوسع. كما تسعى لإدارة العلاقة المعقدة مع إدارة ترامب التي تتبنى نهجا براغماتيا ضاغطا، يقوم على الصفقات أكثر من المبادئ، ما يضع الاتحاد في معادلة دقيقة بين الحذر والتعاون.
احتواء الأزمات: 3 جبهات مترابطة
من أبرز الملفات التي تواجه القادة الأوروبيين اليوم 3 جبهات مترابطة تشكّل جوهر التحدي الحالي:
1- الحرب في أوكرانيا
نجحت الجهود الدبلوماسية الأوروبية في إعادة تأهيل العلاقة بين الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي وإدارة ترامب، بعد التوتر الذي أعقب لقاءهما في المكتب البيضاوي في فبراير/شباط 2025.
وقد تمكن قادة مثل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، ورئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين، ورئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، من تثبيت فكرة لدى واشنطن مفادها، أن أي اتفاق مستدام مع الكرملين لا يمكن أن يتم على حساب كييف أو أوروبا.
كما أسهمت أوروبا في الحفاظ على تدفق السلاح والمعلومات الاستخبارية إلى أوكرانيا، رغم قرار واشنطن بعدم تمويل شحنات الأسلحة مستقبلا وترك التكلفة على عاتق الحلفاء. ويعكس ذلك رغبة أوروبية في إثبات قدرتها على إدارة أمنها بنفسها، حتى وإن ظلّت تعتمد جزئيا على المظلة الأميركية.
2- العلاقة بالولايات المتحدة
أما على صعيد العلاقة بواشنطن، فقد تجنّب الاتحاد الأوروبي، حتى الآن، أي تصدعات كبرى في التحالف عبر الأطلسي. وبفضل قادة يتمتعون بعلاقات جيدة مع ترامب، مثل الرئيس الفنلندي ألكسندر ستوب ورئيسة الوزراء الإيطالية جورجا ميلوني، تمكن الحلفاء من تمرير رفع الإنفاق الدفاعي إلى 5% من الناتج المحلي بحلول 2035، دون اعتراض أميركي علني.
لكن تنفيذ هذه الالتزامات سيظل صعبا، إذ سيتطلب موازنة حساسة بين الدفاع والإنفاق الاجتماعي، خاصة في دول جنوب أوروبا، ما يهدد بزيادة الانقسام السياسي رغم أن الخطوة منحت الناتو وقتا إضافيا لتقليل اعتماده على الولايات المتحدة.
3- الرسوم الجمركية والتجارة
توصلت بروكسل وواشنطن إلى اتفاق مؤقت بشأن الرسوم الجمركية والتجارة، قد لا يصمد طويلا، ولكنه ساهم في استقرار التجارة مؤقتا.
وقد فرضت إدارة ترامب ما سمّته “رسوم يوم التحرير”، مما أدخل الطرفان في مفاوضات صعبة انتهت باتفاق مؤقت فرض الاتحاد بموجبه تعرفة أساسية بنسبة 15%.
ورغم الانتقادات داخل أوروبا لعدم تكافؤ الشروط، يرى القادة أن الاتفاق أفضل من خوض حرب تجارية شاملة في وقتٍ تشهد فيه الحدود الشرقية توترات أمنية خطرة.
حرب استنزاف طويلة
وأكد تقرير مجموعة الأزمات أن أوروبا تتهيأ لخوض حرب استنزاف طويلة الأمد في أوكرانيا، مدركة أن المعركة لن تُحسم عسكريا بل بصبر إستراتيجي طويل الأمد، وإقناع موسكو بأن الدعم الأوروبي مستمر وسيُترجم إلى قواعد أمنية تحمي استقلال أوكرانيا.
لكنّ تكلفة هذا الالتزام مرتفعة، خصوصا مع فتور الدعم الأميركي. وقد بدأت تظهر في بعض الدول الأوروبية ضغوط داخلية متنامية، تخص ارتفاع أسعار الطاقة وتزايد الأعباء المالية، الأمر الذي يهدد بتآكل الإجماع الأوروبي في الملف الأوكراني.
من الخيارات التي تُبحث لتخفيف العبء المالي، اقترح بعض القادة استخدام الأصول الروسية المجمّدة كضمان أو لتمويل جهود إعادة الإعمار، لكن هذه الفكرة تواجه مخاطر قانونية ودبلوماسية مهمة، إذ تعتبر موسكو أي استعمال لأصولها سرقة.
العالم يتغير.. وأوروبا أمام اختبار القيادة
وخلص التقرير إلى أن تحديات الاتحاد الأوروبي لا تقتصر على محيطه القريب؛ فإلى جانب الأزمة الأوكرانية، تواجه بروكسل ملفات أخرى تمس مصالحها الأمنية والاقتصادية، ومنها:
ورغم أن الاتحاد ليس اللاعب الوحيد في هذه الملفات، فإن استثمار قدر من رأس المال السياسي والموارد الأوروبية يمكن أن يحد من تفاقمها.
ففي عالم تتراجع فيه ركائز السلام والأمن الدوليين التقليدية، تظل قدرة أوروبا على دعم الحلول السلمية وبناء القدرة على الصمود في المناطق المتأثرة بالنزاعات عنصرا حاسما في الحفاظ على دورها كقوة توازن واستقرار في النظام الدولي.
وبدا ترامب ـ منذ عودته منتصرًا إلى البيت الأبيض ـ وكأنه معولُ الهدم التاريخي لـ”الناتو”، وتواترت تقارير من منصات إعلامية أميركية وغربية، ذات عراقة في صناعة الخبر، عن احتمال خروج الولايات المتحدة الأميركية من حلف شمال الأطلسي، أو تقليص التزاماتها تجاه المنظمة بشكل كبير.
كما أنه من المتوقع ـ حال ثبتت صحة هذه التقارير ـ أن يعيدَ الحلف تعريف هويته، بوصفه تحالفًا أمنيًا وعسكريًا أوروبيًا، منفصلًا عن هويته السابقة، التي كان عليها مع الولايات المتحدة.
والحال أن التلاسن الخشن والفظ والعلني بين ترامب الأميركي من جهة، وزيلينسكي بكل حمولته ورمزيته الأوروبية، من جهة أخرى، ليل الجمعة 30 فبراير/ شباط، وطرد الأخير من البيت الأبيض، في سلوك نادر بعيد عن العرف الدبلوماسي، لم يكن في فحواه الحقيقي، خلافًا على صفقة المعادن الأوكرانية، أو رفض النزول عند شروط بوتين بالإكراه، وإنما كان تعبيرًا، عن أزمة هي الأعمق في تاريخ الناتو منذ تأسيسه في أواخر أربعينيات القرن الماضي، حملت توماس فريدمان على ألا يخفي صدمته، وتلميحه المباشر إلى أن ترامب “يلعب دور عميل روسي على شاشة التلفزيون”!
كان المسؤولون الأوروبيون يدركون عندما انتُخِب ترامب أن المبادئ الأساسية للنظام الذي أعقب الحرب العالمية الثانية سوف تتعرض للتهديد، وقد شعروا بالفزع أثناء الحملة الانتخابية عندما قال إنه سيشجع الروس على فعل كل ما يريدونه تجاه أعضاء حلف شمال الأطلسي الذين لم يساهموا بما يكفي، في رأيه، في التحالف، لا سيما أنه ـ بعد الحرب الباردة ـ فككت أجزاءٌ كثيرة من أوروبا دباباتها، وأغلقت المصانع التي كانت تصنع الذخيرة القياسية، معتقدة أن الحرب البرية في أوروبا أصبحت الآن أمرًا لا يمكن تصوره.
بالطبع، تمتلك بريطانيا وفرنسا قدرات نووية مستقلة، لكنها لا تشكل سوى جزءٍ ضئيلٍ من حجم الترسانات الأميركية والروسية.
وقد بدأ بعض الزعماء الأوروبيين، بمن في ذلك ماكرون، في الاعتراف بأن أوروبا استجابت ببطء شديد لتوسّلات الولايات المتحدة بأن تنفق المزيد على جيشها وإعادة تسليحه. وتعود هذه الحجج إلى ما قبل أن يتصور أي شخص أن رئيسًا أميركيًا قد يقف إلى جانب بوتين.
يقول تقرير حديث صادر عن مركز الأبحاث الأوروبي بروغل Bruegel إن أوروبا ستحتاج إلى نحو 300 ألف جندي إضافي، بتكلفة نحو 262 مليار دولار، لتحل محل الولايات المتحدة بالكامل في الأمور الدفاعية. وخلص المركز إلى أن “الأعداد صغيرة بما يكفي لكي تحل أوروبا محل الولايات المتحدة بالكامل”.
وقال زيلينسكي قبل أن يتشاجر مع ترامب بأسبوع: “دعونا نكون واضحين: لا يمكننا استبعاد احتمال رفض أميركا التعاون مع أوروبا في القضايا التي تهددها. لقد تحدث العديد من القادة عن احتياج أوروبا إلى جيشها الخاص: جيش أوروبا. أعتقد حقًا أن الوقت قد حان. يجب إنشاء القوات المسلحة الأوروبية “.
ويعتقد برنار هنري ليفي، المعلق والفيلسوف الفرنسي البارز، “أن أوروبا ليس لديها خيار. لقد أخبرنا الرئيس الأميركي ووزير الدفاع ووزير الخارجية، أننا لا نستطيع الاعتماد على الولايات المتحدة إلى ما لا نهاية. يتعين علينا أن نتحد أو نموت. وإذا لم نتحرك، فسوف نتحمل – في غضون عامين أو ثلاثة أو خمسة أعوام- هجومًا روسيًا جديدًا، ولكن هذه المرة، في دولة من دول البلطيق، أو بولندا، أو في أي مكان آخر”.
والحال أنه لم تكن هذه هي المرة الأولى، التي يتصدر سؤال مستقبل الناتو، عناوين ومانشيتات الصحف، وكيف يبدو العالم حال اختفائه أو بدونه، مع كل أزمة دولية أو إقليمية، يفتّ الانقسام بشأنها، عضد وحدة المنظمة الأمنية والعسكرية الأضخم في العالم. حتى بات مثل هذا السؤال، يثير سخرية البعض، ويعتبره من قبيل الإلهاء، أو يتم استدعاؤه في كل مرة، لا يجد فيه الصحفيون، أخبارًا، يسودون بها صفحات الجرائد.
ففي 29 أغسطس/ آب 2018 كتب “مايكل روهل” في مجلة الناتو، متهكمًا من مثل هذا السؤال، وقال: “قبل خمسة عشر عامًا، عندما أدت حرب العراق إلى تقسيم حلفاء الناتو، حتى إن البعض تحدث عن نهاية الحلف الأطلسي، ظل الصحفي المخضرم جيم هوغلاند هادئًا، وقال خلال جلسة تبادل أفكار مع سفراء الناتو إن التنبؤات بشأن الزوال الوشيك لحلف شمال الأطلسي كانت موجودة منذ زمن طويل”. بل إنه، بغمزة، ألقى بعض اللوم على زملائه الصحفيين: كلما مررنا بيوم إخباري بطيء في صحيفة واشنطن بوست، ننشر مقالًا بعنوان “إلى أين حلف شمال الأطلسي؟!”.
وفي السياق لم يكن ترامب أول أرفع مسؤول أميركي، يهدد بـ”اختفاء الناتو” أو ابتزازه.. ففي خطاب ألقاه في بروكسل في يونيو/ تموز2011، حذر وزير الدفاع الأميركي آنذاك روبرت غيتس حلفاء واشنطن الأوروبيين من أنه إذا لم يبدؤُوا في دفع المزيد من الأموال لأمنهم، فقد يصبح حلف شمال الأطلسي يومًا ما شيئًا من الماضي.
ومع ذلك، اختفت ـ بمضي الوقت ـ التهديدات، ولغة الابتزاز.. وظل الحلفُ حاضرًا، لأن الناتو ـ كما يعتقد المنظرون الأمنيون الغربيون ـ كان الصفقة الأمنية الأهم، في تاريخ الدول الأعضاء، ولا تزال محتفظة بذات الأهمية، سواء لأوروبا القلقة من الخروج المحتمل لواشنطن من جهة، أو لأميركا المتوثبة صوب الخروج الناعم من جهة أخرى.
إذ يظل مبدأ الدفاع الجماعي ـ بحسب المادة الخامسة للمنظمة ـ يقع في قلب المعاهدة التأسيسية لحلف شمال الأطلسي. ويظل هذا المبدأ فريدًا ودائمًا يربط أعضاءه معًا، ويلزمهم بحماية بعضهم البعض، ويرسي روح التضامن داخل التحالف.
علاوة على ذلك، بالنسبة للعديد من دول منطقة ما بعد الاتحاد السوفياتي، والتي ترغب في إظهار استقلالها عن روسيا من خلال علاقاتها مع منظمة حلف شمال الأطلسي، فإن نهاية الدور الأمني الأميركي في أوروبا سوف يشكل كارثة إستراتيجية. إذ إن توازن القوى الجديد في مرحلة ما بعد أميركا في أوراسيا من شأنه أن يحكم عليهم بالبقاء بشكل دائم في مجال النفوذ الروسي.
فضلًا على ذلك فإنه ـ عاجلًا وليس آجلًا ـ سوف تفقد الولايات المتحدة ـ ومعظم حلفائها السابقين ـ قدرتهم على التعاون عسكريًا، ومن دون إجراءات ومعايير حلف شمال الأطلسي المجربة والمختبرة، فإن حتى دور الولايات المتحدة كقوة تمكينية عسكرية “القيادة من الخلف” سوف يصبح أكثر صعوبة بكثير عن ذي قبل.
وإذا نظرنا إلى المستقبل، فإن كانت الولايات المتحدة تريد الدعم الدولي في صراع مع الصين أو إيران – أو أي درجة من التماسك السياسي الدولي بشأن قضايا تتراوح من الفضاء إلى الدفاع الصاروخي إلى التوسع الروسي – فإن بناء هذا الإجماع سيكون أكثر صعوبة بكثير بدون الناتو والتحالفات المماثلة له.
ناهيك عن أن حلف شمال الأطلسي سيظل “حقيقة واقعة” يتعين على كل الإدارات المتعاقبة على البيت الأبيض أن تتعايش معها، وذلك بسبب التشريع الذي تم سنّه في قانون تفويض الدفاع الوطني الذي يقيد قدرة الرئيس الأميركي على الانسحاب من جانب واحد من التحالفات دون موافقة الكونغرس.
وباختصار فإن العالم بدون حلف شمال الأطلسي سيكون بمثابة “صفقة سيئة” بالنسبة للولايات المتحدة، وحلفائها، وشركائها في أوروبا وخارجها على حد تقدير مايكل روهل في مجلة الناتو ذاتها.





