دبوس ومعطف وأشياء أخرى في السيدة الأولى للروائي العراقي مازن ابراهيم النعيمي | قراءة /  حسن الموسوي

هيئة التحرير22 ديسمبر 2025آخر تحديث :
دبوس ومعطف وأشياء أخرى في السيدة الأولى للروائي العراقي مازن ابراهيم النعيمي | قراءة /  حسن الموسوي

ينقلنا الروائي مازن إبراهيم النعيمي من خلال روايته السيدة الأولى إلى عوالم الرواية البوليسية و بدايتنا في عالم القراءة السحري ، حيث الشغف بقراءة واقتناء روايات اجاثا كريستي والتي جمعت في حينها على ما يقارب الخمسين رواية ، وكانت قراءة الرواية البوليسية أشبه بالقول اليومية ولأنني كنت مولع باقتناء تلك الروايات فلقد أصبحت زبونه مهما لأصحاب المكتبات في شارع الرشيد وسوق السراي .7332f7af 14ee 4934 8c6c 0e04d0745cc6 f790b006 0a99 4417 b592 80077f8728ec

يمثل العنوان العتبة النصية الأولى و هو المدخل إلى المتن السردي وأحيانا يلخص العنوان المتن السردي بأكمله

و في هذه الرواية نجد أن العنوان هو السيدة الأولى وهذا اللقب غالبا ما يطلق على زوجات المسؤولين ويتطابق هذا العنوان مع البطلة التي هي بالفعل السيدة الأولى

الغلاف من العتبات النصية هو الآخر ، و فيه نجد صورة بخلفية سوداء لنصف وجه وعين محدقة بقوة نحو المجهول فيما تشابكت خيوط على نصف الوجه في إشارة للاعاقة و عدم التحرر في اتخاذ القرار.

وفي الغلاف الأمامي ثمة إشارة إلى ان الكاتب هو { أول كاتب رواية بوليسية في العراق } .

وبما أن الكاتب صنف روايته على انها رواية بوليسية فإن القارئ سوف يضع الشبهات على أي شخصية من شخصيات الرواية .

وفي الغلاف الخارجي نجد { كانت واثقة انها قتلته ، لقد رأته ممددا على أرض الطريق الريفي الموحش بوجهه الشبيه بوجه الفار ملفوفا بمعطفه الشتوي السميك ، وبعد ساعة تلاشى القتيل كالحلم ، وقال لها الجميع أن تنسى أمره ، ولكنها بعد فترة قصيرة التقت بالرجل مرة أخرى حين حدثت بالمياه الساكنة للبحيرة الصغيرة ورأت كل حياتها تتحول إلى كابوس مرعب وحقيقي .. فهي تظن انها قتلت الرجل ولكنها أكثر ثقة أن هناك من يحاول تحويلها من السيدة الأولى في المحافظة إلى قاتلة   } .

في هذا الموجز خلاصة للرواية بأكملها وقد أحسن الكاتب في ايجازها على هذا النوع .

المقدمة من العتبات النصية و فيها نجد مقالات موجها عن الرواية البوليسية ونشأتها ، يقول الكاتب في مقدمته { الرواية البوليسية قصة تدور أحداثها في أجواء قاتمة بالغة التعقيد والسرية والغموض ، تحدث فيها جرائم قتل أو سرقة أو ابتزاز أو ما شابه ذلك ، وأغلب هذه الجرائم غير كاملة } والسؤال الذي يتبادر إلى الأذهان هو لماذا أن الجرائم بكل أشكالها غير مكتملة رغم حرص الجاني على أن أن تكون على أكمل وجه ، والجواب ببساطة هو وجود فريق آخر يعمل جاهدا وتسلحا بالعلم والمنطق والتحليل على كشف تلك الجرائم لحماية المجتمع والأفراد .

الرواية بوليسية بامتياز ، وللحديث عن الرواية البوليسية يجب أن نتعرف على رأي كبار النقاد عنها ، فلقد اعتبره الناقد فان دين { انها مجرد تسلية حالها حال مشاهدة مباريات كرة القدم } فيما قال بو الو ونر  { الرواية البوليسية جنس أدبي هش لا يرقى إلى مصاف الآداب الراقية } .

وعرفها الناقد العربي محمود قاسم { قصة تدور أحداثها في أجواء بالغة التعقيد والسرية و اغلبها جرائم غير مكتملة الأركان لأن هناك من يسعى إلى كشفها و حل ألغازها }  اي لا توجد جريمة كاملة باعتبار أن هناك من يعمل على كشفها .

وهناك من يقول أن الرواية البوليسية تنمي قوة الملاحظة والفهم السريع و المنطق ، وتعلم القارئ على أن يفكر بطريقة تحليلية وأن يفهم التكتيكات والبراعة في التخطيط .

وهناك من يعترض على اعتبارها بجنس أدبي لتعارض الجمع بين اللعبة والأدب .

استطاع الكاتب أن يوظف المكان في روايته من خلال سرد أحداث روايته في مدينة دهوك حيث الجبال و المناظر الطبيعية الخلابة .

ويعرف المكان على أنه { الفضاء الذي تجري فيه الأحداث وتتحرك فيه الشخصيات وقد يكون حقيقيا أو خياليا } .

وهو من العناصر الأساسية في الرواية ، وينقسم المكان إلى المكان المفتوح و المكان المغلق وينقسم أيضا إلى المكان الأليف والمكان المغلق .

تبدأ أحداث هذه الرواية حينما تقوم السيدة هناء زوجة المرشح يلماز لانتخابات المحافظة والتي من المؤمل أن تكون السيدة الأولى في المحافظة بدهس رجلا لا تعرفه لكنها لم تكن متأكدة من انها قد قتلت الرجل ام لا ، وبعد فترة تتلقى اتصالا من شخص مجهول يقول لها { _ لقد أردت أن أخبرك أن لدي معطف سميك عليه آثار عجلات سيارة } ص 63 .

هنا تبدأ أحداث الرواية فهي قد دهست شخصا ، ولم تكن تتخيل كما قالت لها سولاف ، لكن الشيء المفرح في الموضوع أن الرجل لم يمت . المعطف والدبوس من العلامات الدالة في هذه الرواية .

في البداية لابد أن اعترف بأني قد خمنت أن من يحرك هذه الأحداث الغامضة والمتشابكة هي سولاف وسوف يتعرف القارئ الوطن إلى الشخصيات من خلال قراءته لهذه الرواية .

تدور أحداث هذه الرواية في المنطقة القريبة من منزل المرشح للانتخابات { وقفت هناء تنظر إلى الأوراق وهي تهبط وتصعد على المياه و من بين أوراق الشجر رأت يد رجل تطفو مع الأوراق  في المياه ، ثم رأت جزءا من وجه الرجل .. له أنف طويل ووجه يشبه الفأر } ص96

هذه بداية عملية تصاعد الأحداث التي اتقنها الكاتب بجدارة ، ولكن كان هناك ضعفا في أداء المجرم فكان عليه أن يدفن الجثة لا أن يرميها في البحيرة وأن يدفن سلاح الجريمة المسروق لا أن يعيده إلى صاحبته .

في الرواية حوار ساخن بين المرشح للانتخابات يلماز وهو اسم تركي وبين زوجته { ولكن تذكر أن كل ما سمعته منذ زواجي منك كان سياسة فقط افعلي هذا وافعلي ذلك ، ابتسمي ، ارفعي رأسك عاليا حيث تلتقط لك الصور ، لا تتحدثي للصحفيين إلا إذا كان معك أحد يرشدك } ص 140

في هذا المقطع نجد حوارا ساخنا بين المسؤول وزوجته ، حيث التسلط الذكوري وإلغاء الآخر حتى ولو كانت زوجة ، كما وملاحظات تمرد المرأة وثورتها على زوجها المسؤول والذي كان يظن انه يعامل زوجته مثل الروبوت ، لكنه تفاجأ من ردة فعلها العنيفة وهذا السلوك طبيعي من قبل الزوجة فلا أحد يرتدي أن يعيش مسيرا مهما كانت الإغراءات.

من الإشارات المهمة في الرواية {هل كان الرجل يرتدي معطف سميك حين انتشلتموه من البحيرة / رد مدير الشرطة / معطف سميك كلا .. يا إلهي .. كلا لم يكن يرتدي معطف .. هذه نقطة مهمة } ص155

وهنا يلعب الذكاء في حل لغز الجريمة ، و في مقطع آخر {قالت سولاف /لا شيء كنت اعتقد أنني فقدت دبوس الصور المصنوع من الزمرد ولكني وجدته في الكتاب } ص 209 .

وهنا ذكاء من قبل هناء زوجة المسؤول عندما كشفت جزء كبير من اللغز . وأخيرا لم يكن الكاتب موفقا باختيار أسماء أبطال روايته ، فالأحداث تدور في محافظة دهوك وهي احدى مدن إقليم كردستان العراق لكن البطل يلماز اسمه تركماني ، كما أن أسماء ثلاثي الشر كرار وحيدر وحمزة هي أسماء عربية من جنوب العراق وهذا تناقض مع الواقع.

عاجل !!