لم يعد الحديث عن استحداث محافظات جديدة في العراق مجرد شعارات انتخابية أو مطالبات شعبية عابرة بل تحول إلى واقع قانوني مع إعلان “حلبجة” المحافظة التاسعة عشرة رسمياً في عام 2025.. ومع تصاعد وتيرة المطالبات في مناطق مثل تلعفر، الفلوجة، وطوزخورماتو، يبرز السؤال الجوهري الذي يطرحه الشارع والمختصون على حد سواء.. هل تمتلك الدولة العراقية “النفَس المالي” لإطعام هذه الكيانات الإدارية الجديدة أم أننا نكرس بيروقراطية مستنزفة بلا خدمات؟.. إن التحول من قضاء تابع لمحافظة إلى “محافظة مستقلة” يعني تأسيس هيكلية كاملة تبدأ من ديوان المحافظة مروراً بمديريات عامة لكل الوزارات وصولاً إلى مجالس المحافظات (بعد عودتها).. هذا الاستحقاق الإداري يهدف نظرياً إلى تقليل المركزية، لكنه عملياً يضاعف النفقات التشغيلية من حيث رواتب ومبانٍ وأسطول سيارات قبل أن يبدأ بصرف دينار واحد على المشاريع الاستثمارية.. ووفقاً لقانون الإدارة المالية الاتحادي والتعديلات الأخيرة، يعتمد تمويل المحافظات المستحدثة على ثلاثة مسارات رئيسية.. بعد نتائج التعداد السكاني الأخير (نوفمبر 2024)، أصبح توزيع الأموال يعتمد بنسبة 80% على الكثافة السكانية و20% على معايير الفقر.. المحافظات الجديدة ستنتزع حصتها مباشرة من الموازنة بدلاً من استجدائها من المحافظة الأم.. ويمنح قانون المحافظات رقم 21 لسنة 2008 الوحدات الإدارية حق استقطاع نسب من الرسوم والضرائب المحلية وأجور الخدمات لتغذية صندوق المحافظة.. وإذا كانت المحافظة الجديدة منتجة للنفط أو تضم منفذاً حدودياً، فلها قانونياً حصة من إيرادات هذه الموارد، وهو ما يمثل “رئة مالية” حقيقية لمناطق مثل تلعفر (قرب الحدود) أو الفلوجة… أنا التحدي الأكبر فيكمن في موازنة 2026 وما بعدها فالحكومة ملزمة بتوفير تخصيصات التأسيس.. وبحسب وزارة التخطيط، يتم ذلك عبر نقل التخصيصات التي كانت مرصودة للقضاء أصلاً في موازنة المحافظة القديمة وإضافتها إلى “منحة تأسيس” طارئة..بينما يرى البعض في الاستحداث “إنصافاً تاريخياً” لمناطق عانت من التهميش، يرى خبراء الاقتصاد أن “تفتيت الإدارة” دون تنويع مصادر الدخل القومي (بعيداً عن النفط) قد يؤدي إلى ترهل إداري يعيق التنمية بدلاً من تسريعها.. إن النجاح في “خلق” محافظة جديدة لا يقاس برفع لافتة “المحافظة رقم 20″، بل بالقدرة على تحويل هذه الوحدة إلى مركز جذب استثماري يمول نفسه ذاتياً على المدى البعيد ومن دون ذلك سنظل ندور في حلقة مفرغة من توزيع الفقر الإداري بصبغة رسمية !
مقالات ذات صلة


