حينما يتكلم الموتى يكشف التاريخ عن زيفه محاولة كتابة التاريخ من جديد في بلاد العم لام للروائي العراقي يوسف جابر المحسن / قراءة  / حسن الموسوي  

هيئة التحرير27 ديسمبر 2025آخر تحديث :
حينما يتكلم الموتى يكشف التاريخ عن زيفه محاولة كتابة التاريخ من جديد في بلاد العم لام للروائي العراقي يوسف جابر المحسن / قراءة  / حسن الموسوي  

ينقلنا الروائي يوسف المحسن من خلال روايته بلاد العم لام الى أجواء السحر والخيال .

فهو يكتب هذه الرواية بثيمة مختلفة تتناغم مع علوم الفيزياء ، ففي الفيزياء هناك حقيقة تقول ان الأصوات هي مادة لا تنفد ، ووفق هذه النظرية فقد بات بالإمكان التعرف على أصوات شخصيات التاريخ وماذا قالوا في حياتهم ، ومن خلال هذه الطريقة نستطيع كشف الزيف الذي ملأ كتب التاريخ .

وفي هذه الرواية نجد البصمة الواضحة للكاتب من خلال ابتكار نوع جديد من الرواية بحيث يزاوج ما بين العلم والسرد ، يقول ستيف جوبز { نحن هنا لكي نضع بصمتنا في هذا الكون و إلا ما فائدة مجيئنا إليه } .276dfa06 6f59 4d85 9a4d fbdff50c3413 780a765b 3b06 489a b2a0 0d89b6df6f1c

يقوم البطل باختراع آلة تكتشف الذبذبات الصوتية واسماها تاليتا وهذه الآلة هي التي تقود البطل إلى المناطق التي تتواجد فيها الذبذبات الصوتية ومعنى كلمة تاليتا { هو اسم آرامي الأصل للمؤنث ويعني فتاة صغيرة أو حمل صغير ، اكتسب الاسم شهرته من العهد الجديد في الإنجيل حيث استخدمه يسوع ليقيم فتاة ومعناه الحرفي يا فتاة صغيرة أقول لك قومي ، الاسم يرمز إلى البراءة الحيوية والأمل في الحياة الجديدة } .

العنوان من العتبات النصية وهو ثريا النص كما يقول رولان بارت وفيه محاكاة وتناغم مع عبارة بلاد العم سام ، فإذا كانت بلاد العم سام قد  قامت على الغش والخديعة وقتل سكان البلاد الأصليين من أجل بناء دولتهم ، فهل تستطيع بلاد العم لام من كشف الكذب والخديعة في هذه الرحلة السحرية

الغلاف من العتبات النصية أيضا وفيه نجد صورة لقافلة من الإبل تسير وسط الصحراء وتتجه نحو أطلال قلعة قديمة ، وقد وردت في الرواية قلعة قديمة وهي حصن الكصير ، وهنا تطابق ما بين المتن السردي والغلاف .

المقدمة من العتبات النصية{ إلى العصفورة في القفص اللامرئي .. لقد أخطأ اللقلق حين ألقى بك هناك .. أنت التي ولدت عقب تصادم غيمتين حالمتين .. تالة .. لقد أخطأ الطائر حقا .. ما زلت أنتظر صرة مبرومة تنزلق من فوق .. مدخنتي مفتوحة .. يامن } .

الفصول من العتبات النصية وقد كتبت بطريقة تنازلية .   وردت في الرواية حقائق علمية مما يؤكد على حرص الكاتب على المزاوجة بين العلم والسرد ، فالعلم الحديث كشف لنا أن الحديد لم يتكون على الأرض بل نزل من السماء { الحديد سر الأرض الذي جاء من الغلاف الخارجي ، جلبته النيازك والشهب وتسلل إلى جوفها ، هي من بين فرضيات نشوء الحديد التي تفوه بها أساتذة في جامعة بوليتكتيك الروسية } ص70 .

يبدأ البطل عمله مع وجود آلته العجيبة { جدران حصن الكصير جلدتها سياط الزمن وتقلبات المناخ ومثل اضطراب قلبه حين تظهر أعراض اللقاء بتاله الحبيبة ، بدأت آلته بالتموج والاهتزاز واستفاقت أضويتها _ ثمة مخزون هائل غير قابل للنضوب من الذبذبات يجتمع هنا } ص 81 .

هذه هي الثيمة الرئيسية للرواية ومن خلال هذه الآلة العجيبة سوف يتم استنطاق التاريخ من جديد .

يتطرق الكاتب الى المؤرخين ودورهم في كتابة التاريخ وكمية الزيف الذي دسوه في تلك الكتب { المؤرخون مثل القنافذ يمسكون ذيل الحادثة ويحتمون بأشواك دروعهم الخشنة وابرها ومن ثم يلتهمون ويلتهمون حتى يقطعون الرأس ، بعد أيام يخلفون فضلات هي المتبقي من الحقيقة بملامح وجه جديد } ص84 .

لقد لعب كتبة التاريخ دورا مشبوها في تقديم ، وهنا يبرز دور الكاتب في كتابة التاريخ .

يشير الكاتب الى مسألة في غاية الأهمية وأعني نظرة المجتمعات الى العلماء { العم لام كما يحلو للمهندس يامن أن يسميه كان يشتعل غيظا لانه يقر في قرارة نفسه بأن يامن الذي يجده الناس مقبولا لا يختلف عن مهيدة وعوفي } ص 99 .

هذه هي مشكلة البشرية الأزلية ، فدائما ما تنظر المجتمعات المتخلفة الى العلماء نظرة سخط وغضب ، وحتى أن أغلب العلماء قد تم اعدامهم وحرقهم لأنهم حاولوا أن ينقلوا المجتمعات الغارقة في الظلام الى النور .

تذكر كتب التاريخ أن العالم الإيطالي جوردانو برونو والذي نشر نظريته العائلة بمركزية الأرض ودوران الأرض حولها ، حيث تم اتهامه بالزندقة ومن ثم اعدامه أمام الناس بعد أن جردوه من ملابسه وصلبوه على عمود وأحرقوه حيا .

كل شيء يبدأ بحلم مهما كان مستحيلا ، فقط على الإنسان أن يحلم ومن ثم يتحقق الحلم ، فلا مستحيل في هذا العالم ، وكما قال نابليون { كلمة مستحيل لا توجد إلا في قواميس المجانين }

إذن السر يكمن في الحلم وبعد ذلك يصبح الحلم حقيقة { _ ابن الطرمة دوختني خلي أجرب الهندسة وهذا حلمي ، _ حلمت انت قلتها ، حلم ، خيال ، تخاريف _ مو صعب الأشياء تتحقق بعد اكتمال رسمها في الذهن والباقي تحصيل حاصل } ص115 .

يتطرق الكاتب الى التقاليد والأعراف العراقية والتي منها أخذ الثأر ، فغياب القانون يسمح لإبن القاتل بأن يقتص من قاتل أبيه .

الرواية هنا فيها رسالة اجتماعية خطيرة فهي تسلط الضوء على مثل هذه الممارسات { ألقم المخزن رصاصة من الشاجور وقبل أن يطلق النار قال له أنا كشيش ابن منذور حامي الذي قتلته .. استعاد علوان السارح شريط حياته في أربع ثوان ، ابتسم غير مصدق وهو ينظر في الفوهة المصوبة إلى جبينه ، هي دورة أحداث إذن } ص 342 .

هذه هي حال الدنيا ، فكما تدين تدان ، وكما تقوم بالقتل سوف يأتي اليوم الذي يقومون فيه بقتلك ، وقبل ان تتذوق مرارة الموت فإن شريط الحياة سوف يمر سريعا بثواني قليلة .

ما هذه المعادلة الثواني القليلة مقابل سنين العمر انه المعادلة الأصعب في أدبيات الحياة .

الرواية فيها محطات كثيرة قدم الكاتب من خلالها رؤيته السردية في حوار شيق ويتناوب فيه زمن السرد حسب الأحداث .

عاجل !!