حتى لا تبتلع الأفعى لغة العرب / د. هادي حسن حمودي

هيئة التحرير17 ديسمبر 2025آخر تحديث :
حتى لا تبتلع الأفعى لغة العرب / د. هادي حسن حمودي

قرأنا (من قبل أن يكون للغة يوم واحد في العام) بمدة طويلة. الكثير من التنظير للغة العربية واستنكار الذين يحاربونها ويدعون إلى إسقاطها من غير أن تكون لديهم أدنى ذرة من كرامة أو حياء، وبديلهم الفكري ينبثق من تبعية عمياء، تسوغها لهم أطماعهم وأهواؤهم وسائر مصالحهم الشخصية المعادية للحق والمناوئة للعلم.

وفي إطار الكشف عن بعض أسماء أنفار من هؤلاء، نشر الأستاذ الدكتور (يحيى مير علم) (يعمل لدى ‏قسم اللغة العربية وآدابها في كلية التربية الأساسية – دولة الكويت.‏) في صفحته في التواجه (الفيسبوك) قائمة بأسماء المحاربين للغة العربية من قومنا ومن الأقوام الأخرى، فعقبت عليه، ثم رأيت تطوير ذلك التعقيب بإضافات لا يسمح بها المجال هناك، فنلتقي الآن، هنا:

**

قدم الأستاذ الدكتور (يحيى مير علم) عرضا رائعا لموضوع خطر تكرر عرضه كثيرا متزامنا مع توسع انتشار الكتابة باللهجة الممسوخة من الفصحى حتى حاول بعضهم نشر القرآن بلهجتهم العامية مما جعلنا نسعى للحوار مع عناصر مؤثرة في تلك الأوساط وأوقفنا الانهيار والانحدار، وإن إلى حين، أقول (وإن إلى حين) لأنه مهما قوي الردّ عليهم وتم التصدي لهم، فهو ردّ لا ردع، وهو تصدّ لا صمود لديه، لذا سيعودون إليه وها هم أخضعوا الإعلام المطبوع إلى نشرات فجة من اللهجات الممسوخة التي تريد سيادة المسخ وإسقاط الأصول الجميلة المبدعة. وهذه ظاهرة لا مبرر لها، بأي شكل من الأشكال، فإن المتعلم يستطيع أن يقرأ الحروف والكلمات فيمكنه قراءة النص المنشور في صحيفة أو مجلة، ويفهمه إن سمعه في مقابلة متلفزة أو مذاعة أو في نشرة أخبار. وقد رأينا كم أعجب الناس بالأغاني الفصيحة حين تؤدَّى بصوت جميل ولحن جميل، وكم تعاطفوا مع الأفلام السينمية الجيدة، نطقا بالكلام الفصيح أو الترجمة الفصيحة.

وأما غير المتعلمين ولا يعرفون القراءة فلن يفهموا المنشور بالعامية (أي اللهجة المحلية) لأنهم لا يعرفون القراءة.

فلماذا إذن الإصرار على النشر باللهجة المحلية (العامية)؟ هل وراء الأكمة ما وراءها من منافع شخصية أو فئوية لمن يمارسها؟ ويلجأ بعض الكتبة أحيانا الكتابة بلهجتهم المحلية في صحف خارج بلدانهم مستغلين ظروفا معينة.

حقا أحتاج إلى جواب عن سبب النشر بالعامية أو إلقاء خطب الجمعة لهجيا، أما أن رئيس دولة يلقي خطبه الرسمية باللهجة فظاهرة تعارض دستور البلاد.

ومنذ ثلاثين عاما أصدرتُ دراسة تحليلية نفسية للرؤساء الذين يفعلون ذلك، لا أود نشرها الآن. أما من يستعمل اللغة الأجنبية فأمره غير قابل للنقاش والحوار، لأن تلك الممارسة لا تدلّ إلا على ظواهر نفسية، حائرة ما بين ضعف الثقة بالذات، ومحاولة إظهار أنه مثقف يعرف أكثر من لغة، وإما أنه يكره لغته الأم.

كل هذا العرض لا يُغني شيئا إذا لم نضع له حلّا، وحتى إن وضعنا له حلا فلن يُطبّق وإنما هو من باب (وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ).

نرى أن الحل يسيرٌ جدا إلى أقصى مدى لليسر، وعسير جدا إلى أقصى درجات العسر. لأنه يتعلق بموقف صلب من سلوك الحكومات تجاه المسخ المتواصل.

فحكومات العالم العربي ودساتيره تقول: إن اللغة العربية هي اللغة الرسمية للدولة، وبعضها يعترف بلغات قوميات أخرى. وكذلك قوانينها. فإذا كانت هذه الحكومات صادقة مع نفسها ومع الناس، فيجب أن يكون شأنها إعلاء شأن اللغة العربية، فلتبدأ بأمور منها:

ا- إصدار قوانين ملزمة بتعريب المحيط (عناوين المحلات والدكاكين والجمعيات الاستهلاكية والمتاجر..) إلى آخره. فليس من المعقول أن تقرأ على واجهة محل (Islimy Hijab)  مثلا. ولقد مررت في عاصمة عربية فرأيت محلا لبيع الأحذية (اسم البلد + كلمة أحذية) نقلا للتركيب اللغوي عن الفرنسية، فلنفترض وجود دولة اسمها (دولة بطيخة)، مثلا فسيكون التركيب (دولة بطيخة أحذية) ولما أخذتني الغيرة على اسم دولنهم العريقة صورت لوحة العنوان وأرسلتها لإحدى صحفهم ولا أدري ماذا فعلوا.

2- إلزام جميع المطبوعات بالتزام اللغة الفصحى الميسرة في جميع وسائل الإعلام، كل وسيلة ومستوى الفئة التي تتوجه إليها. فلا بد أن تكون اللغة ميسرة أيا كانت الفئة التي يتوجه لها المطبوعة، إلى الشباب؟ إلى المتعلمين؟ إلى من؟

3- فرض غرامات مالية على الوسيلة الإعلامية (المطبوعة) كالصحف والمجلات والكتب (ودور النشر) إذا استعملت اللهجة المحلية أو غيرها من اللهجات في مطبوعاتها. وقد فعلت فرنسا ذلك لمقاومة غزو اللغات الأخرى منذ الحرب العالمية الثانية، واحتذت بها دول أخرى.

ومن الملاحظ أن دولا محاذية لدول الجامعة العربية تعتز بلغاتها اعتزازا قويا، على عكس ما تفعله الدول العربية، إلا ما قل وندر.

ومن التخبط الحالي أنه إذا خططت حكومة لتشريعات تحمي اللغة العربية، فإنها – غالبا – ما تسّلم التنفيذ لمؤسسات يسوءُها حقا أن تنمو اللغة وتزدهر على ألسنة الناس وكتاباتهم، وكأن الهدف الحقيقي لتأسيس تلك المؤسسات تحريف ذلك المشروع وتزييفه، مع تزويق لغوي متحذلق. وبذلك – وغيره – تفرغ القرار الرسمي من مضمونه وتجعله ينز بالأذى والشرّ

فالخلاصة أنه يجب الضغط على الحكومات لتمنع أي نشر مكتوب باللهجات العامية، وكذلك بالترقيعات اللغوية وبمنع استعمال المصطلحات الأجنبية بحروف عربية التي وصلت إلى عناوين الكتب..

ضمن خطة لتعريب المحيط..

فإن تجمعت الإرادات ربما تستجيب الحكومات..

وهذا ضمن تشريعات لا يسند تنفيذها إلى من يريد إفشالها أو مسخها بالحذلقة كما هي عادة أغلب بني قومنا على مدى التاريخ.

عاجل !!