لقاء رئيس ائتلاف دولة القانون السيد نوري المالكي، مؤخراً مع القائم بأعمال سفارة الولايات المتحدة الأمريكية لدى العراق، جوشوا هاريس، بمناسبة تسنمه مهام عمله في بغداد.جاء ليؤكد ان اميركيا غير معينة في اختيار رئيس الوزراء المقبل كونه قرار وطني وداخلي ، عكس ما يروج له المغرضين والمجذفين من إشاعات الغرض منها إعاقة اختيار رئيس وزراء مخلص ومجرب والقادر على تحمل المسؤولية .
فالمالكي بحكمته ودرايته أكد خلال اللقاء على استعداد العراق ( الحكومة المقبلة ) لإقامة علاقات تعاون وشراكة مع جميع دول العالم ومنها الولايات المتحدة، تقوم على أساس الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة من خلال توطيد العلاقات الثنائية، وتشجيع التعاون، كما تناولت هذه اللقاء توسيع العلاقات بين البلدين، وأهمية تحسين أمن العراق واستقراره وسيادته، بالإضافة إلى مناقشة تصاعد التوترات في المنطقة .
بالنظر إلى التطورات الأخيرة والتصريحات التي وردت في الأخبار، يبدو أن هناك خلط في شروط ومطالب أمريكية رئيسية تُركز على الحكومة العراقية القادمة، خاصة فيما يتعلق بالمصالح التجارية والاستثمار وغيرها منها مكافحة الفساد والإصلاح الاقتصادي وتهريب العملة، رغم أن الشروط الأمنية هي الأبرز.
فان التهدئة والبحث عن شراكة مستدامة التي غالباً ما تسعى الحكومات العراقية (بشكل رسمي) إلى تهدئة الأوضاع والحديث عن الانتقال إلى شراكة أمنية دائمة مع الولايات المتحدة والتحالف الدولي، تركز على المشورة وبناء القدرات بدلاً من التواجد القتالي المباشر.
فأهمية الاستقلال الاقتصادي الذي يُدرك المسؤولين العراقيين أن المسار الأفضل للبلاد هو الحفاظ على الاستقلالية والتعاون مع الدول الإقليمية والدولية (بما فيها دول الخليج العربي وتركيا وايران ) لتحقيق الاستقرار الاقتصادي والنمو، مما يتطلب الحفاظ على مسافة متوازنة من الجميع.
لهذا فان المصالح الأمريكية الرئيسية ترتكز في الشرق الأوسط حول مزيج من الأهداف الأمنية، والاقتصادية، والجيوسياسية، والتي تطورت بمرور الوقت، منها واهمها أمن الطاقة والتحكم في الأسواق العالمية وضمان تدفق النفط والغاز حيث لا يزال الشرق الأوسط مصدرًا رئيسيًا للطاقة العالمية. على الرغم من أن الولايات المتحدة أصبحت أقل اعتمادًا على نفط المنطقة بشكل مباشر، إلا أن ضمان التدفق الحر والمستقر للطاقة من الخليج العربي أمر حيوي للحفاظ على استقرار الأسواق العالمية وحماية الاقتصاد الأمريكي وحلفائه (خاصة في أوروبا وآسيا) وتأمين الممرات المائية للحفاظ على أمن الملاحة في الممرات المائية الحيوية مثل مضيق هرمز، ومضيق باب المندب، وقناة السويس.
كما تنظر اميركا باهتمام بالحفاظ على أمن وتفوق الكيان “إسرائيل ” العسكري والنوعي في المنطقة مصلحة استراتيجية ثابتة وراسخة في السياسة الخارجية الأمريكية.
وتولي كذلك دعم الأنظمة والحكومات الحليفة في المنطقة، خاصة دول الخليج العربي، والأردن، ومصر، لضمان الاستقرار في هذه الدول، ومواجهة التهديدات المشتركة، وتوطيد العلاقات التجارية والاقتصادية.
ومكافحة الإرهاب والعمل على تفكيك شبكات ومنظمات مثل داعش والقاعدة والجماعات المتطرفة الأخرى التي تهدد المصالح الأمريكية وحلفائها، واستخدام المنطقة كقواعد لمكافحة الإرهاب.
وظهرت في الآونة الأخيرة شدة مواجهة نفوذ المنافسين من خلال الحد من توسع النفوذ للقوى العالمية المنافسة، مثل روسيا والصين، اللتين تسعيان لتعزيز حضورهما الاقتصادي والعسكري والدبلوماسي في المنطقة على حساب النفوذ الأمريكي.
ومع كل ذلك لا تخلوا هذه الشروط من ضرورة المطالبة بـ ضبط سلوك الفصائل المنفلتة ومحاسبة المتورطين في أي هجمات ضد القوات الأمريكية أو العراقية أو أي أنشطة مزعزعة للاستقرار.والتأكيد على أن “الحياد ليس طلباً، بل شرطاً”، في إشارة إلى ضرورة الابتعاد عن الانحيازيات الإقليمية، وخاصةً السعي للحفاظ على مسافة من إيران والتعاون مع الدول في المنطقة.
تُظهر هذه الشروط محاولة من واشنطن لإعادة ترتيب قواعد النفوذ والتوازنات الإقليمية انطلاقاً من بغداد، باعتبارها مركز مالي حيوي واقليمي ومركز للقرار المحايد ، وهذا يرجّح دخول دول الخليج العربي بعلاقات اقتصادية مهمة وحيوية مع العراق باعتبارهم الأقرب من حيث الجغرافيا والانتماء العربي والدين المشترك لا سيما السعودية والإمارات والكويت وعمان ، فأي توجه عراقي نحو الابتعاد عن اي محور اخر وتبني سياسة حياد إقليمي، تعتبر خطوة مهمة لتعزيز الاستقرار الإقليمي والمصالح الاقتصادية المشتركة.
بشكل عام، تدور العملية السياسية العراقية حالياً في فلك الموازنة بين الإرضاء الجزئي للمطالب الأمريكية (خاصة في المنهاج الحكومي) وبين الحفاظ على التوازنات الداخلية والروابط الإقليمية الحالية.





