يعاني العراق منذ سنوات طويلة من وضعٍ سياسي متردٍ انعكس بشكل مباشر على حياة المواطن، وعلى استقرار الدولة ومؤسساتها. فرغم مرور أكثر من عقدين على التغيير السياسي الذي شهده البلد عام 2003، ما زال النظام السياسي عاجزًا عن تحقيق أبسط تطلعات الشعب في الأمن، والخدمات، والعدالة، والتنمية.
أولًا: نظام المحاصصة… أصل الداء
يُعد نظام المحاصصة الطائفية والحزبية من أخطر الأسباب التي أوصلت العراق إلى هذا المأزق السياسي. فقد تحولت الدولة إلى غنيمة تتقاسمها الأحزاب، لا إلى مؤسسة تخدم المواطنين. وأصبحت المناصب تُمنح على أساس الانتماء الحزبي والطائفي بدل الكفاءة والخبرة، مما أدى إلى ضعف الإدارة وانتشار الفساد.
ثانيًا: الفساد السياسي والمالي ..
الفساد في العراق لم يعد مجرد ظاهرة، بل أصبح نظامًا متجذرًا في مفاصل الدولة. مليارات الدولارات أُهدرت أو سُرقت دون محاسبة حقيقية، بينما يعيش المواطن في ظل تردي الخدمات الأساسية كالكهرباء والماء والصحة والتعليم. والأسوأ من ذلك أن كثيرًا من ملفات الفساد تُغلق بسبب النفوذ السياسي أو التسويات خلف الكواليس.
ثالثًا : ضعف مؤسسات الدولة ..
تعاني مؤسسات الدولة من هشاشة واضحة، نتيجة التدخلات الحزبية وتعدد مراكز القرار. فالسلطة التنفيذية غالبًا ما تكون مكبلة بالتوافقات السياسية، والسلطة التشريعية منشغلة بالصراعات بدل التشريع، أما القضاء فيتعرض لضغوط مباشرة وغير مباشرة، مما يضعف ثقة المواطن بالدولة ككل.
رابعًا : غياب المشروع الوطني ..
يفتقر المشهد السياسي العراقي إلى مشروع وطني جامع يعلو فوق المصالح الضيقة. فالأحزاب تركز على مكاسبها الانتخابية والمالية، بينما تُهمَّش قضايا السيادة، وبناء الاقتصاد، وحماية الشباب من البطالة والهجرة. ونتيجة لذلك، يشعر المواطن بأن صوته لا قيمة له، وأن التغيير عبر الانتخابات شبه مستحيل.
خامسًا : المواطن هو الضحية ..
في ظل هذا الواقع، يبقى المواطن العراقي الخاسر الأكبر. ارتفاع نسب الفقر والبطالة، تراجع مستوى المعيشة، هجرة العقول، وانعدام الأمل لدى الشباب، كلها نتائج مباشرة للفشل السياسي. وقد عبّرت الاحتجاجات الشعبية المتكررة عن هذا الغضب، لكنها قوبلت غالبًا بالقمع أو الوعود المؤجلة.
خاتمة :
إن الأزمة السياسية في العراق ليست أزمة أشخاص فقط، بل أزمة نظام كامل يحتاج إلى مراجعة جذرية. ولا يمكن إنقاذ البلاد إلا عبر إصلاح حقيقي يبدأ بإلغاء المحاصصة، وتعزيز دولة القانون، ومحاسبة الفاسدين، وإعادة بناء الثقة بين المواطن والدولة. فالعراق بلد غني بثرواته البشرية والطبيعية، لكن سوء الإدارة السياسية جعله رهينة الفشل والصراعات .





