في زمنٍ تُقاس فيه الأحاسيس بعدد القلوب والوجوه الصفراء، هل ما زال الإنسان يشعر حقًا؟
لم نعد بحاجة إلى ابتسامة حقيقية، ولا إلى نظرة صادقة، ولا حتى إلى كلمة مواساة من قلبٍ يشعر بنا. كل ذلك اختُصر في وجهٍ أصفر صغير يُرسل عبر الشاشة في جزءٍ من الثانية. إنها السمايلات، رموز وُلدت لتجمّل النصوص، لكنها مع الوقت تحوّلت إلى بدائل عن المشاعر الحقيقية، حتى صار الإنسان يُعبّر بعاطفة إلكترونية باردة، وينسى دفءَ العاطفة الإنسانية الأصيلة.
في زمنٍ باتت فيه العلاقات تُدار من خلف الشاشات، لم تعد المشاعر كما كانت. أصبحنا نضحك دون أن نضحك، ونغضب دون أن نصرّح، ونحبّ عبر قلبٍ أحمر لا ينبض. السمايلات التي ابتكرها الإنسان لتقريب التواصل، أخذت منه جوهر هذا التواصل ذاته. صار وجها مبتسما كافيًا لإسكات وجع، ودمعة زرقاء تكفي لاختصار مأساة، حتى أصبحنا نحيا في عالمٍ يمتلئ بالمشاعر المصطنعة، لكنه يخلو من الإحساس الحقيقي.
لقد استبدل الإنسان نبضه بالرمز، وصوته بالنغمة، وعينيه بالشاشة. لم يعد الحديث يُقال، بل يُكتب؛ ولم تعد الأحاسيس تُعبّر بصدق، بل تُرمز اختصارًا وكسلًا. وهنا يبدأ السؤال المؤلم: هل ما زلنا نشعر حقًا، أم أننا أصبحنا فقط نحاكي الشعور بأيقونات؟تشير الأبحاث إلى أن التواصل البصري ونبرة الصوت يشكلان أكثر من 70 بالمئة من فهم المعنى في الحديث الإنساني. لكن في التواصل الرقمي، غابت النبرة واختفى الصوت، فاستعاض الإنسان عنها بالسمايلات لإعادة الدفء إلى الحوار. غير أن ما حدث مع الوقت كان العكس تمامًا؛ فبدل أن تُعيد السمايلات الحرارة إلى الكلمات، جعلتنا نكتفي بها، ونتوقف عن قول ما نشعر به حقًا.
في محادثاتنا اليومية، لم يعد الحزن يُقال، بل يُرسل وجه حزين وينتهي الأمر. ولم تعد السعادة تُشارك، بل نكتفي برمز ضاحك يتكرر بلا إحساس. أصبحنا نتبادل الرموز أكثر مما نتبادل المشاعر، حتى فقدنا تدريجيًا القدرة على التعبير العفوي والصدق الإنساني في المشاعر.
ولعلّ الأخطر من ذلك أن السمايلات جعلت البعض يختبئ خلفها، فيُظهر ما لا يشعر به، ويبتسم في وجه الألم، ويرسل قلبًا في غياب المحبة. إنها تمنحنا قناعًا رقميًا أنيقًا، لكنه يخفي وجوهًا متعبة تبحث عن تواصل حقيقي في عالمٍ افتراضي لا يسمع صوته.
السمايلات ليست سيئة بطبيعتها، لكنها مرآة لعصرنا؛ عصر السرعة والسطحية والاتصال البارد. عصر جعلنا نختصر المشاعر في رموز، ونقيس المحبة بعدد القلوب المرسلة، ونعبر عن التعاطف بوجهٍ باكٍ دون أن نمدّ يد العون لأحد.
ربما آن الأوان لإعادة النظر في هذه اللغة الرقمية التي تُغرقنا يومًا بعد يوم في صمتٍ عاطفي مغطى بالوجوه الصفراء. فلنرفع رؤوسنا عن الشاشات قليلًا، ونستعيد ملامحنا الحقيقية، نبتسم بصدق، ونحزن بصدق، ونشعر بصدق.
في النهاية، قد تكون السمايلات مجرد رموز صغيرة على الشاشة، لكنها تكشف الكثير عن عالمنا الرقمي وعلاقاتنا المعاصرة. إنها مرآة لعواطفنا المتجمدة، ودليل على أن التكنولوجيا، رغم ما تمنحه من سهولة وسرعة، لا تستطيع أن تحل محل المشاعر الحقيقية. فلنعد إلى البسمة التي تُشرق من القلب، والكلمة التي تُقال بإحساس، لأن الإنسان، مهما تقدمت أدواته الرقمية، يظل كائنًا يشعر بصدق، ويحتاج إلى محاكاة الأحاسيس، وليس مجرد إرسال رموز صفراء على الشاشة.




