تُعدّ الدقة الدلالية إحدى السمات الجوهرية للغتنا العربية؛ حيث تتجاور مفردات متقاربة في ظاهر معناها، بينما تنفصل في عمقها الدلالي انفصالًا يعكس حساسية هذه اللغة تجاه التجربة الإنسانية وتفاصيلها الدقيقة، ويتجلّى ذلك -على سبيل المثال- في ألفاظ مثل المور والرهج والنقع، التي تحيل جميعها إلى الحركة المصحوبة بالغبار، غير أن كل مفردة منها تحتفظ بحقل دلالي خاص يحدده السياق والوظيفة والاستعمال، أو بين العقيقة، والفروة، والناصية، والذؤابة، وكلها مفردات تشير إلى أجزاء في شعر الرأس؛ فبينما العقيقة الشعر الذي يولد الإنسان به، تشير الفروة إلى معظم شعر الرأس، والناصية شعر مقدم الرأس، وعكسه ذؤابة وهو شعر مؤخر الرأس، ولا يقتصر الأمر على تلك المفردات عينها؛ إذ أننا نجد مفردات أخرى مثل الغديرة والفرع، والطُرَّة والجُمَّة والغَفْرة لتمثل أجزاءً في شعر الرأس؛ عليه فإن هذا التخصيب المعجمي يشكل أحد أبرز مؤشرات الثراء البنيوي للعربية، وقدرتها على تمثيل الظواهر تمثيلًا نوعيًا بالغ الدقة يتجاوز الكم المجرد المعبر عن سياقات المفهوم، ودلالة المقصود.
في هذا السياق، يأتي الاحتفاء باليوم العالمي للغة العربية كاستدعاء لدورٍ تاريخي ومعرفي تجاوز حدود التواصل اليومي بين الناطقين به؛ إذ أسهمت العربية عبر قرون في تشكيل أنماط التفكير، وحمل الخبرة الإنسانية لبناء منظومات ثقافية متكاملة، كما اضطلعت بدور مركزي في حفظها للهوية الثقافية، ولعل ذلك ما يفسّر تعرّضها لمحاولات متكررة للتهميش والتقزيم في سياقات التحوّل الحضاري خاصة في مراحل الاستعمار وما بعدها؛ حيث تبرز أهمية اللغة وتفاعلها مع السلطة والوعي والانتماء.
ويمتد هذا الوعي إلى النظر في أصل المصطلحات المؤسِسة ذاتها، وفي مقدمتها لفظ ‘لغة’، الذي كان موضع جَدَلٍ بين الباحثين، حول التأصيل المنهجي والنشأة التاريخية للمفردة؛ فبينما انصرف بعضهم إلى ربطه بالجذر اليوناني–اللاتيني لوغوس (logos)،
بما يحمله من دلالات القول والعقل والمنطق، غير أن المعاجم العربية، لا سيما الكبرى منها تقدّم تأصيلًا داخليًا يرسّخ انتماء المصطلح إلى الجذر ‘لَغَا’، وأصلها لُغوة على وزن فعُلة وجمعها لغى ولغات، الدالّة على الكلام والتلفّظ والتعبير، ويبيّن ابن منظور في لسان العرب هذا الاشتقاق، رابطًا بينه واللغة بوصفها أداة تواصل، ووسيلة لتأسيس الفكر وحفظ التجربة الإنسانية؛ (للمزيد.. ابن منظور، لسان العرب، دار المعارف، تحقيق: عبد الله علي الكبير ومحمد أحمد حسب الله وهاشم محمد الشاذلي).
بيد أنه من الملاحظ
استخدامه مفردة (لسان) حين يريد (اللغة)، كما لا يمكننا -في هذا المقام- إلا الاستنارة بقول أعز من قائل:
وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ ۗ لِّسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَٰذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ”
[١٠٣ – النحل]
في الأحوال جمعيها، فإن هذا التأصيل المعجمي يكشف عن تصوّر أعمق للغة، يتجاوز فهمها بوصفها مخزونًا من المفردات؛ ليرسّخها نظامًا دقيقًا تتكامل البنية الصوتية فيه مع الدلالة والوظيفة الاجتماعية، وهو ما تؤكده دراسات الاشتقاق العربية، كما تعرضها بعض المراجع التي تيسر لنا مطالعتها لعلماء اللغة كعبد الله أمين في كتابه الاشتقاق؛ حيث عالج أصول الكلمات العربية في سياق علاقتها بالفعل الإنساني والتفكير والإبداع، مبرزًا الطبيعة الدينامية للغة بوصفها أداة إنتاج معرفي بين المتكلمين بها (للمزيد انظر عبد الله أمين، الاشتقاق، مكتبة الخانجي، القاهرة ط ٢).
من هذا المنظور، تعتبر اللغة العربية كيانًا حيًا متحوّلًا، يتشكّل عبر الزمن، والتجربة، والوعي، جامعًا بين الصوت والدلالة، وبين الفرد والجماعة.
وتترسخ قيمة اللغة هنا، من خلال قدرتها على الربط بين الإنسان وتاريخه الثقافي، لتظل شاهدة على تمكينه من إدراك ذاته ضمن شبكة معانٍ تتجاوز اللحظة الحالية إلى الأفق الحضاري الأشمل.
انطلاقًا من هذا الأساس النظري، يندرج كتاب عبد الجليل الساعدي ‘العربية الضائعة بين قومها’ ضمن مسار يعيد النظر في العلاقة بين المفردة العربية واستعمالها في السياق الاجتماعي؛ حيث يتتبّع الساعدي المفردات التي تراجعت عن التداول اليومي، وباتت ألفاظًا معجمية مهجورة، محلّلًا مساراتها التاريخية، مفسّرًا أسباب انحسارها في ضوء التطورات الثقافية، وأنماط الاستعمال التي تفترض ضمن تطورها استحداث بعض التراكيب واستثناء أخرى؛ كما يبرز دور الجذر اللغوي والدلالة في استعادة الفاعلية الوظيفية للكلمة، ضمن مقاربات تجمع بين الوعي التاريخي ومتطلبات الاستعمال المعاصر، ليزخر عمله بأمثلة من القرآن والشعر العربي والأمثال والحكم بغية توضيح المعنى، واستجلاء الفروق بين استخدام مفردة وأخرى (للمزيد انظر عبد الجليل الساعدي، العربية الضائعة بين قومها، المجلة العربية، الرياض، ١٤٤٦هجريا).
ويخلص الساعدي في كتابه إلى أن استمرارية العربية مرهونة بممارسة لغوية واعية تعيد وصل المفردة بوظيفتها، والجذر بدلالته، والتاريخ بالحاضر؛ بما يسمح للسان العربي أن يظل أداة فاعلة في إنتاج المعرفة والتعبير عن التغيرات الفكرية والثقافية، ضمن سياق حيّ لا يكتفي بالحفظ أو التوثيق فقط، وهي مهمة جليلة لأساتذة اللغة، لكن الاقتراب من ذلك الكنز يعد رسالة نبيلة لكل من ينطق لغة الضاد.
لذا فقد أورد عبد الجليل الساعدي في كتابه العربية الضائعة بين قومها عددًا كبيرًا من الأمثلة الدالة على ثراء المعجم العربي وتنوّع استعمالاته، مستعينًا بمفردات خرجت من التداول اليومي رغم دقتها التعبيرية، وقد وظّف هذه الأمثلة لتوضيح الفروق الدلالية بين الألفاظ المتقاربة، كاشفًا عن علاقة الجذر بالسياق، مبيّنًا كيف يؤدّي إهمال المفردة إلى اختزال المعنى، وفقدان طاقته التعبيرية؛ بما ينعكس على وعي المتلقي وحدود التعبير اللغوي المعاصر.
من بعض ما اخترناه من أمثلة، كلمة (حجر) التي أورد أمثلة لاستعمالاتها وحكايات وكيف صارت مضربا للأمثال، فيقول في ص ٤٦:
ما أطيب العيش لو أن الفتى حجر..
تنبو الحوادثُ عنه وهو ملمومُ
بيت شعر شهير للشاعر الجاهلي تميم بن مقبل.
الحَجَرُ: الصخرة، والجمع في القلة أحجارٌ، وفي الكثرة حِجارٌ وحجارةٌ.
وكانوا يقولون: رُمِي فلان بحَجَر الأرض إذا رُمي بداهية من الرجال.
والحَجْر (بتسكين الجيم) المنع، ومنه جاء الحَجْر الصحي.
وأنت في حِجْرَتي أي مَنَعَتِي وكنفي، وفي الأدب العربي هناك قصة شهيرة عن مجير أم عامر وهي الضبع.
وأصلها.. أن أناسًا خرجوا للصيد في الهاجرة*، فعرضت لهم أم عامر، فطردوها حتى ألجأوها إلى مكان يقيم فيه أعرابي، فدخلت عليه، فإذا بالقوم في إثرها، إلا أنَّ الأعرابي تصدَّى لهم قائلًا: ما وراءَكم؟ قالوا: إننا في إثر هذه الضبع.
فقال: والذي نفسي بيده، لا تصلون إليها ما ثبت قائم سيفي بيدي، فحال ذلك بينهم وبينها.
ثم أطعمها وسقاها، وضلت بقربه، وبينما وهو نائمٌ في خبائه، إذ انقضت عليه وبقرت بطنه.
وجاء ابن عم له يطلبه، فعلم من فراسته بشكل الجروح، أن من فعل هذا هي الضبع، فتبعها وقتلها، وقال:
ومن يصنع المعروف في غير أهله
يُلاقي الذي لاقى مجير أم عامر.
فذهب قوله مثلًا.
وفي مادة حجر نلاحظ:
حُجْرة الدار. تقول احتجرت حجرة أي اتخذتها، والجمع حُجَرٌ مثل غُرفة وغُرَف. وحُجُرات، بضم الجيم.
والحُجُرَةُ تعني أيضًا حظيرة الإبل.
والحَجَران: الذهب والفضة.
الحُجُرُ: ما يحيط بالظفر من اللحم.
المَحْجِر الحديقة، مثال المجلس.
الحِجْر بالكسر: العقل واللب، قال تعالى: (هل في ذلك قسمٌ لذي حِجْر)
قال ذو الرمة:
فأخفيت ما بي من صديقي
وإنه لذو نسب دان إليَّ وذو حِجرِ.
والحِجْرُ الفرس الانثى، لم يدخلوا فيه الهاء، لأنه اسمٌ لا يشركها المذكر فيه.
والجمع أحجار وحجورة وحجور.
وأحجار الخيل: ما يتخذ منها للنسل، لا يفرد لها واحد.
وما زلنا نقول: ونشأ فلان في حَجْرِ فلان وحِجْره أي حفظه وسترِه.
ومحجر العين: ما يدور بها.
الفهر الحَجَر قد يكسر به الجوز وما أشبهه، ويسحق به المسك وما شاكله.
وبهذا الاسم كانت تُسمى واحدة من القبائل العربية. قال حسان بن ثابت:
إنَّ الذوائب من فهر وإخوتهم
قد بينوا سنة للناس تتبع.
أما الصلاية: فهي الحَجر العريض يُسحق عليه الطيب، وكذلك المَدَاكُ.
المِسحنة: الحجر تُدَق به حجارة الذهب.
النَّشفة: الحجر الذي تدلك به الأقدام.
الربيعة: حجارة تستخدم لتجربة القوة؛ إذ يرفعها الرجال كرفع الأثقال في زماننا.
المِسَن والسِنان: الحجر الذي يُسن به أو يُسن عليه.
المِلطاس: الحجر الذي يُدق به في المهراس.
المِرداس: الحجر الذي يُرمى به البئر ليعلم أفيها ماءٌ أم لا، أو يعلم مقدار غورها.
المِرجاس: حجر يُشد في طرف حبل، ثم يدلى في البئر ليطيب ماؤها، هكذا كانوا يرون.
في هذا قال الشاعر:
إذا رأوْا كريهة يرمون بي
رميك بالمِرْجَاس في قعر الطَّوي.
ليبحر الكتاب بنا في رحلة شائقة ممتعة بين دهاليز اللسان القويم مضيفا إلى معلوماتنا العديد من المفردات لا بهدف اجترار الماضي واستدعاء الألفاظ المنسية؛ إنما كي يبرز لنا جمال لغتنا وثراء معانيها وغزارة اشتقاقاتها.





