بعد عملية تحرير العراق، كان للكورد دورٌ محوري في العملية السياسية وإعادة بناء الدولة بصيغتها الجديدة. وقد شاركوا بفاعلية في كتابة الدستور وتمريره وإنجاحه. ووفقاً لهذا الدستور، تتكوّن السلطة التنفيذية في العراق من شقّين: مجلس الوزراء ورئيس الجمهورية.
وعلى الرغم من أن الدستور لا يُفصّل الرئاسات على مقاس أي مكوّن من مكوّنات الشعب العراقي، فإن طبيعة العملية السياسية التي بُنيت على أساس الديمقراطية التوافقية جعلت توزيع الرئاسات بين المكوّنات الثلاثة الرئيسة (الشيعة والسنة والكورد ) تقليداً سياسياً مستقراً. وبموجب هذا العُرف، أصبح منصب رئيس الجمهورية استحقاقاً وطنياً وقومياً للكورد ، ومسؤولية كبيرة تُلقى على عاتقهم.
في البداية، وبموجب اتفاقٍ سياسي بين الاتحاد الوطني الكردستاني والحزب الديمقراطي الكردستاني، أو بشكل أوضح بين الزعماء الطالباني والبارزاني، جرى توزيع منصبي رئاسة الجمهورية ورئاسة إقليم كردستان بين الطرفين ، فكانت رئاسة الإقليم من نصيب البارزاني، ورئاسة الجمهورية من نصيب الطالباني، ولمدّتين انتخابيتين متتاليتين. وقد شغل الرئيس الراحل جلال الطالباني هذا المنصب، ومثّل الكورد فيه خير تمثيل.
ورغم أن المرض أجبره على ترك مهامه في منتصف ولايته الثانية، فإن سنوات رئاسته الست شكّلت عامل توازن في ظل تعقيدات المشهد العراقي والإقليمي وتشابك القوى المتصارعة. وكان فخراً للأمة الكوردية وصمّام أمان للعراق، كما وصفه سماحة آية الله السيد علي السيستاني.
غير أن الوضع تغيّر بعد وفاة الطالباني، إذ فشل الكورد في الدورات الثلاث اللاحقة في إدارة هذا الاستحقاق بمسؤولية. ففي الدورة الثالثة، أدّت الخلافات الحزبية الضيقة داخل الاتحاد الوطني إلى العجز عن تقديم مرشح واحد. فقد ترشح كل من الدكتور برهم صالح والدكتور نجم الدين كريم، ما أدى إلى انقسام الحزب والمكوّن الكردي عموماً. ولاحقاً، طُرح اسم الدكتور فؤاد معصوم كمرشح تسوية، وانسحب نجم الدين كريم لصالحه، بدعم من الحزب الديمقراطي الكردستاني وعدد من الكتل الكوردية ، ليُحسم المنصب بالتصويت لصالح معصوم.
إلا أن فؤاد معصوم، بعد توليه الرئاسة، لم يكن يشغل أي موقع قيادي داخل الاتحاد الوطني، وكان خارج دائرة القرار الحزبي والكوردي، الأمر الذي جعله غير قادر على أداء دور سياسي فعّال، واقتصر حضوره على شغل المنصب شكلياً.
وفي الدورة الرابعة، عجز الكورد مرة أخرى عن التوافق على مرشح واحد. وعاد الدكتور برهم صالح إلى الواجهة بعد انفصاله عن الاتحاد الوطني وخوضه الانتخابات خارج إطار الحزب. وبسبب الخلافات الداخلية داخل الاتحاد وتأثيرات القوى الإقليمية، طُرح اسمه كمرشح للاتحاد، ما أدى إلى انقسام حاد بين قياداته. وفي المقابل، وضع الحزب الديمقراطي الكردستاني فيتو على ترشيح برهم صالح، ودخل السباق بمرشحه الدكتور فؤاد حسين.
وبغياب مرشح كوردي موحّد، حُسم المنصب داخل مجلس النواب العراقي بدعم الكتل الشيعية لصالح برهم صالح، رغم أنه في ذلك الوقت لم يكن يشغل أي موقع حزبي أو قيادي داخل الاتحاد، وكان يمتلك كتلة برلمانية صغيرة لا تتجاوز مقعدين، ولم يكن مستعداً للاندماج مع كتلة الاتحاد. وخلال سنوات رئاسته الأربع، بقي خارج دائرة القرار الحزبي والكوردي، وقاطعه الحزب الديمقراطي الكردستاني، ما جعل التجربة فشلاً جديداً في إدارة هذا الاستحقاق.
أما في الدورة الخامسة، فقد عاد الاتحاد الوطني، تحت ضغط صراعاته الداخلية، ولا سيما بعد أحداث الثامن من تموز في السليمانية، إلى ترشيح برهم صالح مرة أخرى، في محاولة لإرضائه والإبقاء عليه ضمن جبهة عائلة الطالباني. وظل الاتحاد داعماً له حتى اللحظات الأخيرة. وفي المقابل، كان للحزب الديمقراطي الكردستاني مرشح منافس، لكنه في النهاية دعم الدكتور لطيف رشيد، الذي ترشح بصفته مستقلاً وخارج إطار الاتحاد. وبفضل دعم الديمقراطي، حُسم المنصب لصالح لطيف رشيد بعد ان اصبح الأمر واقعا ، ليعلن رئيس الاتحاد لاحقاً دعمة بوصفه ممثلاً للاتحاد.
ومع أن لطيف رشيد لم يكن يشغل هو الآخر أي موقع حزبي أو سياسي كوردي، وكان خارج دائرة القرار الحزبي والكردي، فإنه اختلف عن سابقيه بوجود زوجته، السيدة شاناز إبراهيم أحمد، وهي خالة رئيس الاتحاد، التي تمتلك موقعاً حزبياً مؤثراً ونفوذاً واسعاً داخل الاتحاد، وكانت جزءاً من دائرة القرار. وهكذا، ترك لطيف رشيد قصر السلام للسيدة الأولى، وانتقل إلى قصر بغداد لأداء مهامه الإدارية، في مشهدٍ بدا وكأن السيدة الأولى هي الرئيسة الفعلية في الظل، تمارس دورها السياسي من قصر السلام. ومع ذلك، لم يخدم هذا المنصب الشعب الكردي بوصفه استحقاقاً وطنياً حقيقياً.
إن منصب رئيس الجمهورية ليس ملكاً لحزب، ولا لمجموعة، ولا لعائلة أو أفراد، بل هو استحقاق وطني للكورد جميعاً. وليس من الصواب التعامل مع هذا الاستحقاق بروح غير مسؤولة. فبعض القيادات الكوردية تتعامل مع نفسها بوصفها أكبر من هذا المنصب، وتريد من الرئيس أن يكون موظفاً لديها، يقف على أبوابها خاشعاً، على عكس ما تفعله المكوّنات العراقية الأخرى، حيث يتصدّر زعماؤها القوائم الانتخابية ويخوضون معارك سياسية حقيقية لنيل الاستحقاق الوطني لمكوّناتهم.
ومن الخطأ الترويج لفكرة أن منصب رئيس الجمهورية منصب بروتوكولي، كما يحلو للبعض أن يصفه خدمةً لمصالحه الخاصة. فهذا المنصب يمثّل سيادة الدولة، وهو الضامن الأساس لحماية الدستور. ومع كامل الاحترام للأسماء والشخصيات، ليس من حق أشخاص خارج التوافق ، وخارج دائرة القرار الكوردي ، أن يشغلوا هذا المنصب. ولا يجوز النظر إليه بوصفه ملكية حزبية أو إرثاً عائلياً.
وعلى العكس من ذلك، من حق كل كوردي أن يترشح لهذا المنصب ويسعى إليه، إذا ما جرى التعامل معه بوصفه استحقاقاً وطنياً للشعب الكوردي ، لا صفقة سياسية أو مشروعاً خاصاً.





