لم تعد عبارة “جهنم العرب” التي تُطلق على صيف العراق مجرد استعارة أدبية لتوصيف الحرارة، بل أصبحت واقعاً رقمياً مرعباً يوثقه خبراء المناخ وتتنفسه صدور البغداديين.. ونحن نقف على أعتاب صيف 2026، يبدو أن “النهر الخالد” لم يعد كافياً لتبريد رئة المدينة التي أثقلتها الأدخنة، وتحولت سماؤها من زرقة صافية إلى غيوم كبريتية ثقيلة تنذر بموسم وصفه مختصون بأنه سيكون “انتحارياً”.. بغداد اليوم ليست مجرد عاصمة؛ إنها كتلة بشرية هائلة تتجاوز قدرتها الاستيعابية بمراحل.. هذا الانفجار السكاني لم يأتِ وحده، بل استصحب معه غابات من الخرسانة فقد زحف التوسع العمراني غير المدروس على المساحات الخضراء، مما قضى على “الأحزمة الخضراء” التي كانت تعمل كمصدات طبيعية للحرارة والاتربة.. مع ملايين السيارات التي تنفث سمومها في شوارع ضيقة ومزدحمة، محولةً الهواء إلى مزيج خانق من أكسيد الكاربون .. والمولدات الأهلية التي باتت “شراً لا بد منه” نتيجة عجز الطاقة، لكنها تحولت إلى مصانع صغيرة للانبعاثات وسط الأحياء السكنية.
ووفقاً لبيانات منصة Carbon Mapper وتحذيرات مرصد العراق الأخضر، فإن منحنى انبعاثات ثاني أكسيد الكربون في بغداد لم يتخذ مساراً تصاعدياً فحسب، بل قفز قفزات خطيرة خلال السنوات الخمس الماضية.. هذا التلوث ليس “جمالياً” بل هو محرك فيزيائي لرفع درجات الحرارة؛ فزيادة تركيز هذه الغازات تخلق ما يشبه “الصوبة الزجاجية” فوق المدينة، مما يمنع الحرارة من التسرب ليلاً، ويجعل الفجر البغدادي لا يقل قيظاً عن ظهيرته.
وبينما تنشغل الجهات الحكومية بوضع “المسكنات” أو إطلاق وعود التشجير التي غالباً ما تذبل شتلاتها قبل أن تنمو، يتسارع التغير المناخي بخطى لا ترحم.. إن الحل لا يكمن في توزيع “قوالب الثلج” أو إعلان العطل الرسمية عند ملامسة الخمسين مئوية بل يتطلب:
ثورة في النقل العام لتقليل الاعتماد على السيارات الشخصية، ونقل الصناعات الملوثة مثل معامل الطابوق والدباغة بعيداً جداً عن حواف المدينة، وتفعيل “صفر تسامح” مع المولدات والمنشآت التي لا تلتزم بالفلاتر البيئية.



