“أنتم مهذبون مهندسون ساخرون” / لندن تفض نزاع بابل ومصر: “الزار” ليس إيرانياً والعراق مَلِك التاريخ.. الساحر فينكل ظهر

هيئة التحرير27 ديسمبر 2025آخر تحديث :
“أنتم مهذبون مهندسون ساخرون” / لندن تفض نزاع بابل ومصر: “الزار” ليس إيرانياً والعراق مَلِك التاريخ.. الساحر فينكل ظهر

البحث التاريخي يقول بوضوح إن العراق هو الذي حفظ التاريخ الأهم والوحيد لتفاصيل الحياة المدنية الأولى بينما وثائق مصر الواصلة إلينا مملة جداً وتكاد تنحصر في وصف الموت والموت

يشير أرفينع إلى ان تطور اللغة مع بابل وآشور جعلها بداية اللغة العربية” وهي شريكتها في اللفظ والمعنى وقواعد النحو والرموز، داخل عائلة الساميّات

طلب من الباحثين في الحضارات أن يتركوا التنقيب في الإهرامات وقبور الفراعنة ويتجهوا نحو ألواح الطين العراقية التي يحتاج عشرات الآلاف منها إلى الترجمة

حديث الفراعنة عن الموت يصيب المرء بالملل لا شيء غير الموت أما ألواح الطين التي تؤخذ من ضفاف الفرات ودجلة فقد سجلت الحياة بعيداً عن الموت

 

وكالات / النهار

منذ بضعة أعوام، يسرق الأضواء. أمين متحف لندن والخبير الأبرز في الكتابات العراقية القديمة وألواح الطين المسمارية، يظهر دوماً بصورة وصوت فريدين، داخل السوشيال ميديا وفي بودكاستات مطولة غزيرة بالاكتشاف وتشرح كل شيء للغرب والشرق حول العراق.

إن شكل البروفيسور أرفينغ فينكل نادر مميز، يشبه “الساحر” الخارج من رسومات وأيقونات القرون الوسطى، وقد قرر أخيراً أن يتحدث لبغداد “مستعجلاً وسعيداً وفخوراً” كما يقول، في حوار مميز على شاشة الشرقية أدارته بتفاصيل ذكية، صفا عماد الكاتبة والصحفية العراقية، وسط تصاعد جدل “ودي نوعاً ما” بين المصريين والعراقيين، حول من هو “الأول والأقدم”.

لكن أرفينغ فينكل المولود عام 1950 في لندن، يقول إن البحث والنقاش يجب أن يرتفع أعلى وأعلى من نزاع شعبي، لأن حظ التاريخ “حالف العراقيين” علمياً، فصحيح أن قبور الفراعنة الشاهقة “الإهرامات” وأبو الهول، محفوظة أكثر من أسود وتماثيل سومر وبابل وآشور التي لا تزال مدفونة.. لكن البحث التاريخي يقول بوضوح إن العراق هو الذي حفظ التاريخ الأهم والوحيد لتفاصيل الحياة المدنية الأولى، بينما وثائق مصر الواصلة إلينا “مملة جداً” وتكاد تنحصر في وصف “الموت والموت”.

ويشير أرفينع إلى ان تطور اللغة مع بابل وآشور جعلها “بداية اللغة العربية” وهي شريكتها في اللفظ والمعنى وقواعد النحو والرموز، داخل عائلة الساميّات التي تشمل لهجات آلهة اليمن القديمة واللغات العبرية التوحيدية، يهودية وآرامية مسيحية، كما الفينيقية الممتدة حتى جبل طارق في المغرب.

وهذه مقتبسات من حوار البروفسور أرفينغ فينكل، مع الصحفية العراقية صفا عماد.

 

اتركوا الإهرامات

 

وخلال العامين الأخيرين انتشرت في حسابات السوشيال ميديا فيديوهات متلاحقة لرجل بلحية كثة ولهجة بريطانية صارمة، يعرب عن حب فوق العادة للتاريخ العراقي القديم، حتى أنه طلب من الباحثين في الحضارات أن يتركوا التنقيب في الإهرامات وقبور الفراعنة، ويتجهوا نحو ألواح الطين العراقية التي يحتاج عشرات الآلاف منها إلى الترجمة.

يا فراعنة.. طين الفرات نقش أول أخبار العالم

عالم السومريات والبابليات أرفينغ فينكل يقول: إن حديث الفراعنة عن الموت يصيب المرء بالملل لا شيء غير الموت أما ألواح الطين التي تؤخذ من ضفاف الفرات ودجلة فقد سجلت الحياة، بعيداً عن الموت، ومنحت المؤرخين المعاصرين معرفة دقيقة عن بدايات العلوم وفلسفة إدارة المدن منذ 4 آلاف عام قبل ميلاد المسيح.

أول حوار مع العراقيين ورسالة قاسية لجامعة بغداد

وفي أول ظهور له على وسيلة إعلام عراقية، ورغم أن الأسئلة لا تكفي وتحتاج من المهتمين العراقيين اهتماماً أكبر بالساحر الغريب هذا، بدا الخبير الموصوف بأنه “حارس آثار العراق في متحف لندن”، سعيداً بأن العراقيين انتبهوا له أخيراً، فسارع لمخاطبة جامعة بغداد:

نحن في الغرب لا نكفي، عليكم أيها العراقيون التدرب كثيراً على ترجمة المسماريات كي نفهم الأسلوب الرائع في الحكاية السومرية والبابلية والآشورية، وكل ذلك السحر والسخرية والعمق العلمي الذي لا يمكن أن نجده في أي آثار منقوشة أخرى حتى في مصر التي لم تحفظ سوى وثائق الموت وطقوسه والحياة بعد الموت.

أقدم خارطة وأشباح بابل تحرس العالم

 

يقول أرفينغ فينكل المولود عام 1950، إن اهتمامه “فوق العادة” بنقوش العراقيين الغارقة في القدم، يعود إلى الطفولة حين كانت عائلته تزور متحف لندن المليء بكنوز السومريين والبابليين والآشوريين، وهو شغف قاده إلى تحمل دراسة شاقة وتوبيخ من الأساتذة طوال عقود، حتى بدأ يتأمل أول خارطة للعالم، وكيف كانت تعويذات ما بين النهرين “تستعين بالأشباح أو تتحدث عنها، للتعامل مع المهمة الصعبة في ابتكار أولى أشكال التحضر والمدنية، حيث لم يكن هناك تمدن وتقدم في العالم يضاهي طريقتهم في إدارة الملاحم والآداب والزراعة ورسم الخرائط بل والسخرية أيضاً”.

الزار ليس إيرانياً والعراق نقش نكتة النملة والفيل

وقد كتب فينكل أبحاثه الأولى عن تلك “الأشباح والأرواح البابلية”، ثم اكتشف مع فرق الخبراء، الألعاب الأولى التي يعتقد أنها “نواة لعبة الطاولي أو النرد والزار” خلافاً لما يقال أنها “اكتشاف كسرى والحكماء في إيران”، كما يفتخر “الساحر البريطاني” بأنه استطاع ترجمة الطرف والنكات العراقية القديمة، حيث تحط بعوضة على ظهر فيل ثم تسأله: هل ضايقتك، هل وزني ثقيل فوقك؟ وكأنها استعارة عبر الزمن لنكات شاعت في العراق خلال القرن العشرين، في سلسلة طرائف “النملة والفيل”.

أجدادكم لو ظهروا في باصات لندن

فهو يرى أن عصر نبوخذ نصر وأسرحدون ليس بعيداً، لأنه قبل المسيح بخمسة قرون، “ولو جاء بابلي وجلس قربك في الحافلة فستشعر أنه يشبهك كثيراً” في فهم ما يجري، رغم الرداء الطويل الذي يرتديه (يشبه الدشداشة اليوم) ولحيته المسرّحة بطريقة فريدة.

لا نقلل من شأن مصر لكنه قدر العراق

لا يريد البريطاني الذي يحرس “أشباح بابل”، أن يقلل من شأن المصريين، لكن ملاحظته أن إرث الفراعنة محفوظ في القبور فقط، ولذك فإنه يتحدث عن الموت، والموت، أما العراقيون فإن علماء الآثار عثروا على وثائقهم بعيداً عن القبور، حيث حفظت في بيوت وقصور ومدارس وبين الأسوار وتحدثت عن الحياة، وكيف أن أهل العراق لم يكونوا يحبون الموت، ويفكرون بالخلود ومكافحة الأمراض مثل أول ملحمة في التاريخ بطلها كلكامش.

العراق القديم احتكر رواية تاريخ البشر

ولذلك وحسب أمين متحف بريطانيا، فإن نقوش ما بين النهرين تروي لحظات تطور المدنية الإنسانية كما لم يقم بروايتها أحد في أزمان تصل إلى سبعة آلاف عام.

العراقيون القدماء مهذبون جداً وساخرون جداً

يشيد العالم البريطاني بـ”لياقات أخلاقية” لدى العراقيين القدماء وعبارات ساخرة، وجدها في الوثائق والمراسلات، فحين كان العراقي القديم يغضب، لم يكن يكيل السباب والشتائم أو يهدد، بل يقول لخصمه “أين الشعير؟ لقد تأخرت الفضة التي عليك إرسالها، ألست أنا بمثابة أخيك؟ أنا أخوك.. أنا أخوك.. أنا أخوك”.

عاجل !!